ولما قال حارثة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أنا مؤمن حقا قال : « وما حقيقة إيمانك » ؟ قال :
عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها ، وكأني بالجنة والنار ، وكأني بعرش ربي بارزا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « عرفت فالزم ، عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان » ؛ فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا وقرنه باليقين ، وكيف زكاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ قال : عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان . ولما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن معنى
شرح
يطوفان بدل يجولان ، ثم قال : وكأنه أراد بهذا محض الإيمان وخالصه الذي هو يقين المعاينة والحياء الذي هو نظر المشاهدة إن وجود ذلك على حقيقته في مكان الزهد فيما آمن بفنائه لوجود مكان الرغبة فيما آمنا ببقائه إذا تفكر في ذلك تفكر أولي الألباب فيما شهدوا من بيان الآيات في الخطاب .
( ولما قال حارثة ) بن مالك الأنصاري ويقال له أيضا الحرث ( لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أنا مؤمن حقا قال : « وما حقيقة إيمانك » ) ؟ فابتدأ بالزهد وجعله علما لحقيقة الإيمان وقرنه بمشاهدة الإيقان . ( قال : عزفت نفسي عن الدنيا ) أي انصرفت يقال : عزف عن الشيء عزفا وعزوفا وعزيفا من باب قتل وضرب انصرف عنه ، ( فاستوى عندي حجرها وذهبها ) ثم ذكر المشاهدة بعد الزهد ، فكانت عدته . فكما أن الشهادة بعد الزهادة كذلك حقيقة الإيمان بعد الزهد وهو إيمان الموقنين ، وهذا تحقيق التصديق ثم قال : ( وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا ) أي ظاهرا ( فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « عرفت فالزم ، عبد نور اللّه قلبه بالإيمان » فانظر كيف بدأ إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا وقرنه باليقين ، وكيف زكاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ قال : « عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان » ) قال العراقي : رواه البزار من حديث أنس ، والطبراني من حديث الحرث بن مالك ، وكلا الحديثين ضعيف انتهى .
قلت : قال الحافظ في الإصابة في ترجمة الحارث بن مالك الأنصاري : روى حديثه ابن المبارك في الزهد عن معمر عن صالح بن مسمار أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يا حارث بن مالك كيف أصبحت » ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا قال : « إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك » قال : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أسمع عواء أهل النار . فقال : « مؤمن نور اللّه قلبه » وهو معضل .
وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر بن صالح عن مسمار وجعفر بن برقان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال للحارث .
وأخرجه في التفسير عن الثوري عن عمرو بن قيس الملائي عن زيد السلمي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم للحارث : « كيف أصبحت يا حارث » قال : من المؤمنين . قال : « اعلم ما تقول » فذكر نحوه وزاد في آخره فقال : يا رسول اللّه ادع لي بالشهادة فدعا له ، فأغير على سرح المدينة فخرج فقاتل فقتل .
وجاء موصولا من طريق أخرى أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبي هلال ، عن محمد بن