إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 636
طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : 20 ] فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا صفوا لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى ، وأن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلا . بيان فضيلة الزهد : قال اللّه تعالى : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ إلى قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [ القصص : 79 ، 80 ] فنسب الزهد إلى العلماء أن يقال له : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فآثر في جميع ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا صفوا ) من غير تعب ( لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى ) ، وما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه لم يزل ، ( وإن ما سوى هذا فمعاملات دنياوية لا جدوى لها في الآخرة أصلا ) واللّه الموفق . تنبيه : [ اقسام الزهد ] اعلم أن الزهد على قسمين : مراد لذاته وهو الزهد فيما سوى اللّه تعالى من كل ما يشغل عن عين الشهود وهو من عقود الإيمان باللّه لتعلقه بالجلال والكمال ، ومراد لغيره وهو فراغ القلب لهذه المعرفة ، وكلما ازددت تركا للدنيا ازددت باللّه معرفة ، والقدر الواجب من الزهد المراد لغيره ما يحث على الفراغ لأوقات الواجبات وهو لعمري سبب لإقامة الإخلاص الذي هو شرط في صحة العبادات ، فلا يقدر على ترك جملة من الشرور الظاهرة والباطنة إلا بترك الدنيا إلا أن ما ينهى عنه لغيره غير ما ينهى عنه لأجل نفسه ، والمباحات منهي عنها لأدائها إلى ما ذكرنا في الغالب ، ومن أهل التمكين من يعطى قوة يدبر بها العالمين ولا يشغله شيء عن اللّه ، فمنهم من وصل إلى هذا المقام الشريف بالكسب والإجتهاد وهو المسمى مريدا ، ومنهم من وصل إليه بنفس نفخ الرحمة في كشف الحجاب عن قلبه حتى وقف على حقيقة الأمر بغير مدافع ولا منازع وهو المسمى عند القوم مرادا وكل منهما مراد إلا أن هذا مراد بوسائط كثيرة ، وهذا مراد بغير واسطة . وقد أخبر اللّه عن كلا الحالين فقال : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [ الشورى : 13 ] وينبغي أن يجري بينهما الخلاف الجاري في التفاضل بين أفاضل المؤمنين وأفاضل الملائكة لمناسبة الجذب والترقي . هذا إذا اتحدت المعرفتان فإن اختلفتا كانت الفضيلة على حسب المعرفة فافهم واللّه أعلم . بيان فضيلة الزهد : ( قال اللّه تعالى ) : إذ وصف قارون : ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) من خيول وبغال وغلمان عليها بزة حسنة من أصفر وأحمر وأخضر ( إلى قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ ) لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ ( فنسب الزهد إلى