تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 634

مساهمون:

ص٦٣٤
- يعني من القليل - قال : وما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
[ آل عمران : 152 ] واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء والفتوّة على سبيل استمالة القلوب وعلى سبيل الطمع ، فذلك كله من محاسن العادات ولكن لا مدخل لشيء منه في العبادات ، وإنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة ؛ فأما كل نوع من الترك فإنه يتصوّر ممن لا يؤمن بالآخرة ؛ فذلك قد يكون مروءة وفتوّة وسخاء وحسن خلق ، ولكن لا يكون زهدا ؛ إذ حسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العاجلة وهي ألذ وأهنأ من المال ، وكما أن ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزهد ، فكذلك
شرح
وروى عبد بن حميد ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية عند قولهم : واللّه لو نعلم أحب الأعمال لفعلناه ، فدلهم على أحب الأعمال إليه . وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قالوا : لو كنا نعلم أحب الأعمال إلى اللّه فنزلت هذه الآية . وروى ابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد قال : نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد اللّه بن رواحة قالوا في مجلس لهم : لو نعلم أي عمل أحب إلى اللّه لعملناه حتى نموت ، فقال ابن رواحة : لا أبرح حبيسا حتى أموت فقتل شهيدا . ورواه مالك في تفسيره عن زيد بن أسلم نحوه . وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : قال المؤمنون : لو نعلم أحب الأعمال إلى اللّه لعملنا به فدلهم على أحب الأعمال فقال :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّافبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مدبرين فأنزل اللّه تعالى في ذلك :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ .( وقال ) ابن مسعود أيضا : ( ما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى :مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ولفظ القوت ما أحسب أن فينا أحدا يريد الدنيا حتى نزلت . وقال العراقي : رواه البيهقي في الدلائل بإسناد حسن . ( واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء ) والجود والفتوة ، ( وعلى سبيل استمالة القلوب ولا على سبيل الطمع ، فذلك كله من محاسن العادات ولكن لا مدخل لشيء منه في العبادات ، وإنما الزهد أن تترك الدنيا لعملك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة ، فأما كل نوع من الترك فإنه يتصور ممن لا يعرف بالآخرة ، فذلك قد يكون مروءة وفتوة وسخاء وحسن خلق ولكن لا يكون زهدا ، إذ حسن الذكر ) والثناء الطيب ( وميل القلوب ) إليه بالمحبة ( من حظوظ العاجلة ) أي الدنيا ( وهي ألذ وأهنأ من المال ، وكما أن ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزهد ، فكذلك تركه طمعا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 634 | مرتضى الزبيدي