تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
إبعاده كما عزموا على يوسف حتى تشفع فيه أحدهم فترك ، ولا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه ، بل عند التسليم والبيع ، فعلامة الرغبة الإمساك ، وعلامة الزهد الإخراج . فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ولست زاهدا مطلقا ، وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد ، لأن ما لا يقدر عليه لا يقدر على تركه ، وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهد فيها ، فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثق غليظ من اللّه ، فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها ، فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها ، فلما تيسرت له أسبابها من غير مكدر ولا خوف من الخلق وقع فيها ، وإذا كان هذا غرور
شرح
إبعاده كما عزموا على يوسف ) ، فقد جاء في الخبر : انهم أرادوا أن يلقوا أخاهم معه في الجب حين ألقى نفسه عليه ، ( حتى تشفع فيه أحدهم ) وهو يهوذا فشفع فيه ورحمه ومنعه وكان شديدا بينهم منيعا مهيبا فيهم ، وقد قيل في السير : إن أخاهم الأكبر روبيل هو استوهبه منهم وقال : دعوه يكون فيه سلوة وعزاء للشيخ الكبير من يوسف لا تفجعوه ولا تفقدوه إياهما معا فوهبوه له ، ثم إن اللّه عز وجل لم يقل مع ارادتهم لذلك وهمهم به وعزمهم عليه ، وكانوا فيهما من الزاهدين من قبل ان يتحققوا بالزهد فيه كالزهد في يوسف إذ لم يخرجوه من أيديهم ، ( ولا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه ) من الجب ، ( بل عند التسليم والبيع ، فعلامة الرغبة الإمساك ، وعلامة الزهد الإخراج ) فإذا كان الشيء موجودا عندك وأنت ممسكه لنفسك ، ثم توهمت أنك زاهد فيه لخواطر الإرادة أو لإرادة الزهادة فقد كذبت على نفسك بتسميتك إيانا زاهدا ، ( فإن أخرجت عن يدك بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ولست زاهدا مطلقا ، وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصوّر منك الزهد ) فإن زهدك فيما لا تملك غير جائز ، وكذا الزهد في معدوم باطل ، وكما أن التصرف في مال غيرك غير جائز فكذلك لم يصح زهدك فيه ، ( لأن ما لا تقدر عليه لا تقدر على تركه ) ولعله لو كان موجودا تغيّر قلبك به وتقلب فيه ، إذ ليس الخبر كالمعاينة لأن الخبر قد يوهم ويشبه ، والمعاينة تكشف الحقيقة وتحكم على الخلقة ، ( وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهد فيها ، فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثق غليظ من اللّه تعالى ، فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها ) لأن للنفس بدوات لما أطبعت عليه من الشهوات والملل والتقليبات وحب المتعة بالموجود وادخار المحصول ، فلا تجعل ظنا معدوما كيقين موجود ، ( فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي وبغضها عند تعذرها ) أو تعذر أسبابها ، ( فإذا تيسرت له أسبابها من غير ) مانع ( مكدر ولا خوف من الخلق وقع فيها ، وإذا كان غرور النفس في المحظورات ) التي الترك عنها