النفس في المحظورات ، فإياك أن تثق بوعدها في المباحات ، والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها ، أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة ، فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتفاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما ، ولكن تكون من تغيرها أيضا على حذر ، فإنها سريعة النقض للعهد ، قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع .
وبالجملة ؛ فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقط وذلك عند القدرة . قال ابن أبي ليلى لابن شبرمة : ألا ترى إلى ابن الحائك هذا لا نفتي في مسألة إلّا رد علينا - يعني أبا حنيفة - فقال ابن شبرمة : لا أدري أهو ابن الحائك أم ما هو ؟ لكن اعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها ، وهربت منا فطلبناها ، وكذلك قال جميع المسلمين
شرح
عبارة عن التوبة ( فإياك أن تثق بوعدها في المباحات ) الذي الترك عنها عبارة عن الزهد ، ولكن قد يكون لك مقام من الزهد في المعدوم بقيامك بشرطه ، وهو أن لا تحب وجود الشيء ولا تأسى على فقده وتكون مغتبطا بعدمك مسرورا بفقدك يعلم اللّه من غيبك ويطلع على سرك ، إنك لا تفرح بوجوده لو وجدته وتخرجه إن دخل عليك لأن قلبك قانع باللّه راض به عن اللّه بحالك التي هي العدم من الدنيا ، غير محب للاستبدال بها من الغنى ، فإذا كنت بهذا الوصف حسب لك جميع ذلك زهدا فكان لك بأحد هذه المعاني ثواب الزاهدين ، وإن لم تكن للدنيا من الواجدين ولا لإخراجها من الغافلين وهذا زهد الفقراء الصابرين وهو التحقق بالفقر ، ( والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة ، فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتفاء الصوارف ) أي الموانع ( والأعذار ظاهرا وباطنا ) وتلك الأعذار تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ، ( فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما ) أي أدنى وثوق ، ( ولكن تكون من تغيرها أيضا على حذر فإنها سريعة النقض للعهد قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع ) فإنها طبعت على الشهوات والملل والتقلبات .
( وبالجملة ؛ فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقط وذلك عند القدرة .
قال ابن أبي ليلى ) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي ، أبو عبد الرحمن صدوق سني الحفظ جدا مات سنة ثمان وأربعين ، روى له أصحاب السنن ( لابن شبرمة ) هو عبد اللّه بن شبرمة بن الطفيلي بن حسان الضبي أبو شبرمة الكوفي القاضي ثقة فقيه ، مات سنة أربع وأربعين ، روى له البخاري في صحيحه تعليقا ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة : ( ألا ترى إلى هذا ابن الحائك لا نفتي في مسألة إلا ردّ علينا يعني أبا حنيفة ) الإمام رحمه اللّه تعالى - ( فقال ابن شبرمة : لا أدري أهو ابن الحائك أم ما هو ؟ لكن اعلم أن الدنيا غدت ) أي صارت ( إليه فهرب منها ) كأنه يعني القضاء ( وهربت منا فطلبناها ) ،