إلى الآخرة ، أو عن غير اللّه تعالى عدولا إلى اللّه تعالى وهي الدرجة العليا ، وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه ، فإن ترك ما لا يقدر عليه محال ، وبالترك يتبين زوال الرغبة ، ولذلك قيل لابن المبارك :
يا زاهد ، فقال : الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها ، وأما أنا فما ذا زهدت ؟
وأما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى
شرح
الآخرة أو ) عن رغبته ( عن غير اللّه تعالى عدولا إلى اللّه وهي الدرجة العليا ) في مراتب الزهد ، ( وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده ) لتغلب رغبته ( فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه ) وبهذا يفارق الفقر ، ( فإن ترك ما لا يقدر عليه محال ) .
فإن قلت : هذا يرد عليكم في الزهد في نعيم الجنة بالنسبة إلى التنعيم بمشاهدة اللّه تعالى فإن نعيم الجنة غير مقدور عليه ؟
فأقول : نعيم الجنة ضربان : حسّي وعقلي ، فالحسي ما يتلذذ به سائر البدن من مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومسموع ومنكوح ، فلا تختلف اللذات الحسية في أصل ذلك إنما الاختلاف في كمال اللذة لأن قوّة اللذة على قدر الشوق وعلى كمال الملتذ به ، فقد عرفت لذات الآخرة بالمقايسة على لذات الدنيا . وأما العقلي : فهو كسلام الملائكة وتبشيرها وتعظيمها وهذا أيضا موجود في الدنيا بتعظيم العباد بعضهم بعضا ، فلا يختلف أيضا في أصل اللذة إنما يختلف في كمالها لأن اللذة بتعظيم العظيم عظيمة ، فلما ذاق العارفون في الدنيا اللذات المحسوسة والمعقولة كما وصفنا وذاقوا لذة معرفة اللّه تعالى بمطالعة جماله وكماله واستغرقهم ذلك في وقت الانس بمجالسته وموادته ومصافاته استحقروا عند اللذة بهذه المعرفة جميع اللذات العقلية والحسية ، وصارت لذة المعرفة عندهم بالنسبة إلى اللذة العقلية كنسبة الحسية ، ولا تؤثر لذة الحس على لذة العقل إلا بهيمة لم يخلق لها الإدراك الانساني .
( وبالترك يتبين زوال الرغبة ، ولذلك قيل لابن المبارك ) عبد اللّه رحمه اللّه تعالى : ( يا زاهد ) فأنكر على القائل ( فقال : إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز ) أي هو حقيق أن يسمى زاهدا ( إذ جاءته الدنيا راغمة ) أي صاغرة ذليلة ( فتركها ) وزهد عنها ، ( وأما أنا ففيما ذا زهدت ) ؟ ولفظ القوت : وقد كان مالك بن دينار يقول : إذا قيل له إنك زاهد . قال : إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز جاءته الدنيا وملكها فتزهد فيها فأما أنا في أي شيء زهدت ؟ اه . فهذا ما يتعلق بالحال بقي الكلام على طرفيه العلم والعمل فقال :
( وأما العلم الذي هو مثمر هذا الحال فهو العلم بكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى