المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه ، وما لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع ، فكذلك من عرف أن ما عند اللّه باق وأن الآخرة خير وأبقى ، أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى ، كما تكون الجواهر خيرا وأبقى من الثلج مثلا ، ولا يعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلىء ، فهكذا مثال الدنيا والآخرة ، فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض ، والآخرة كالجوهر الذي لا فناء له ، فبقدر قوّة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة ، حتى أن من قوي يقينه ببيع نفسه وماله ، كما قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] ثم بيّن
شرح
المأخوذ ) ، وهذا ( كعلم التاجر بأن العوض خير من البيع فيرغب فيه ، وما لم يتحقق هذا العلم لا يتصوّر أن تزول الرغبة عن المبيع ، فكذلك من عرف أن ) ما عندكم ينفدو ( ما عند اللّه باق وان الآخرة خير وأبقى أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى ) بالإضافة إلى لذات الدنيا . وفي قوله تعالى :ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ[ النحل : 96 ] إشارة حسنة حيث أضاف الدنيا إلينا ليذلنا بها لأنا أهل الغنى وليزهدنا فيها زهدنا في أنفسنا الأمارة بالسوء ، وأضاف الآخرة إلى الآخر الأعلى ليعزنا بها ويشرفنا إليها لأنه أهل البقاء ، فخص بها أهله إذ منحها البقاء والايمان بهذه المعرفة واجب لأنه من عقود الإيمان باللّه ، ثم مثل للذات الآخرة ، مثالا في عالم الملك فقال : ( كما تكون الجواهر ) واللآلي ( خيرا من الثلج مثلا وهي أبقى كما يكون الجوهر أبقى من الثلج ولا يعسر عل مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلي ، فهكذا مثال الدنيا والآخرة . فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض ، والآخرة . كالجوهر الذي لا فناء له ، فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة ) بخساسة الدنيا وقذارتها وفنائها ونفاسة الآخرة وشرفها وبقائها ( تقوى الرغبة في البيع والمعاملة ، حتى أن من قوي يقينه يبيع نفسه وماله كما قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فلما اشتراها باعوها ، فالعبد إذا باع نفسه وماله من اللّه تعالى وخرج من هواه إلى سبيل مولاه فهو من الزاهدين ، وهذا كما قال تعالى :وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى[ النازعات : 40 ، 41 ] فإذا كان العوض واحدا هو الجنة ذكر في المعنيين كان بيع النفس والمال وإخراجهما للّه عز وجل بمعنى النهي عن الهوى فيهما الذي هو الحياة الدنيا وهو اقتناؤه للنفس وحبس النفس عليه . أعني المال . فاستبدال ذلك بضده من إخراج الهوى من النفس وادخال الفقر على المال هو الزهد في الدنيا إذ ليس ذلك من أمر النفس الأمارة بالسوء لأنه نهاية الخير ، فصار نهيا لها عن الهوى الذي هو اقتناء المال للجمع والمنع لمتعة النفس به ، وهذا هو الدنيا بوصف النفس الأمارة بالسوء لأن هذا سوء كله ، فمن كان بهذا الوصف فنفسه غير مرحومة لأمرها بالسوء ، وإذا لم تكن مرحومة لم يكن صاحبها بائعا ،