تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
الحال مجرى الثمرة ، فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل . أما الحال فنعني بها ما يسمى زهدا وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه ، فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره ، فإنما عدل عنه لرغبته عنه ، وإنما عدل إلى غيره لرغبته في غيره ، فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا ، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا ، فإذا يستدعي حال الزهد مرغوبا
شرح
الحال يجري مجرى المثمر ، والعمل من الحال ) يجري ( مجرى الثمرة . فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل ) . ( أما الحال ؛ فنعني به ) هنا ( ما يسمى زهدا وهو ) الآلة التي لا يستغني عنها عابد ولا عارف لأن الدنيا عدوّة محبوبة . أما كونها عدوّة فلأنها قاطعة شاغلة ، وأما كونها محبوبة فلأن أصل الحياة وكمالها لا يتأتى إلا بها ، وأصل الحياة هو المقصود للعبادة والمعرفة ، وكمال الحياة بالتنعيم هو القاطع إن كان محظورا والشاغل ان كان مباحا . وأما الزهد فلا يتعلق إلا بترك المباح وترك المباح منوط بثلاث آفات . الآفة الأولى : أن الانهماك فيه يحمل على ترك الواجبات وفعل المحظورات ، ولا يقدر على فعل الواجبات وترك المحظورات إلا بترك فضول الشهوات المباحات . الآفة الثانية : اعتياد النفس وإلفها به فيشق عليها مفارقته والمفارقة للدنيا ضرورة . الآفة الثالثة : الاشتغال به عن معرفة اللّه التي ما خلقت إلا لأجلها ، والقلب لا يتسع لحالين إما اقبال على الدنيا أو على الآخرة أو على اللّه تعالى ، فإذا عرفت هذا عرفت أن الزهد في الدنيا ضرورة السالك ، فأما السبب الموجب للزهد فقد قال اللّه تعالى :لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ[ البقرة : 219 ، 220 ] وقالما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ[ النحل : 96 ] فقد عرفك طريق الفكر في الآية الأولى ، وهو أن تنظر إلى فناء الدنيا وسرعة ذهابها حتى كأنها لم تكن ، وفي بقاء الآخرة وثباتها حتى كأنها لم تزل مع ما اشتملت عليه الدنيا من الخساسة والقذارة والمكابدة ومحاضرة الشركاء ، وكذلك ما اشتملت عليه الآخرة من النفاسة والبهاء وعدم الآفات ، والإيمان بهاتين المعرفتين واجب لأنهما من عقود الإيمان باللّه ، فإذا أضفت المعرفة بالآخرة إلى المعرفة بالدنيا وكانت إرادتك مائلة إلى الدنيا انصرفت إرادتك من الدنيا إلى الآخرة ، فحينئذ تعرف حقيقة الزهد بالذوق إن كنت مصدقا بها برهانا أو تقليدا ، فحقيقة الزهد انصراف الإرادة عن الدنيا حقارة لاستعظام ما عاين من نفاسة الآخرة وإليه أشار المصنف بقوله وهو : ( عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه ، فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه ، وإنما عدل إلى غيره لرغبته في غيره ، فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا ، فإذا يستدعي حال الزهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 623 | مرتضى الزبيدي