تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
عنه ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه ، وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه ، فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهدا وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة ، وشر المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة ، فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خير من المبيع ، فيكون حاله بالإضافة إلى البيع زهدا فيه ، وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحبا ، ولذلك قال اللّه تعالى :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
[ يوسف : 20 ] معناه باعوه ، فقد يطلق الشراء بمعنى البيع ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه ، إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم ، وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعا في العوض ، فإذا كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا ، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ، ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا ، كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل
شرح
عنه ) فهذا شرط المرغوب فيه ، ( وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه ) ولو ( بوجه من الوجوه ، فمن رغب عما ليس مطلوبا ) هو ( في نفسه لا يسمى زهدا ) في الحقيقة ( إذ تارك الحجر والتراب والحشرات ) وما أشبه ذلك من المحقرات ( لا يسمى زاهدا وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير لأن ) الدراهم والدنانير مطلوبة في نفسها و ( الحجر والتراب ليسا في مظنة الرغبة ) إليهما ، ( وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة ) وإنما قال عنده لأنه إذا كان في نفس الأمر خيرا منه إلا أنه ليس عنده ذلك فلا تغلب رغبته ، فلذلك اشترط أن يكون ذلك عنده لأجل غلبة رغبته ، ( فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زاهدا فيه وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة وحبا ، ولذلك قال اللّه تعالى :وَشَرَوْهُأي يوسف ( بثمن بخس ) ناقص ( دراهم معدودة ) قليلة ( وكانوا فيه ) أي يوسف( مِنَ الزَّاهِدِينَ) أي ممن يرغب عما في يده فيبيعه بثمن طفيف ( أي باعوه ) هو تفسير لشروه ، ( فقد يطلق الشراء بمعنى البيع ) فيقولون : شريت بمعنى بعت ، كما يقولون : ابتعت بمن اشتريت ، وهما من الأضداد . ( ووصف اخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو له وجه أبيهم ) منه ، ( وكان ذلك عندهم أحب من يوسف فباعوه طمعا في العوض ) ، فلما باعوه وخرج من أيديهم كانوا من الزاهدين ، ( فإذا كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا ، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ) هذا ما تقتضيه اللغة ، ( ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزاهد بمن يزهد في الدنيا كما خصص
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 624 | مرتضى الزبيدي