تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
نفاسة الآخرة الإشارة بقوله عز وجل :
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ
[ القصص : 80 ] فنبه على أن العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه ، ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ورغبة عن المحبوب في أحب منه قال رجل في دعائه : اللهم أرني الدنيا كما تراها ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تقل هكذا ، ولكن قل أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك » ، وهذا لأن اللّه تعالى يراها حقيرة كما هي ، وكل مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقير . والعبد يراها حقيرة في حق نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له ، ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عنه فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلا ، لأنه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس ، واللّه تعالى غني بذاته عن كل ما سواه ، فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ، ويراه متفاوتا بالإضافة إلى غيره ، والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره .
شرح
المنافقون وابتلي هنالك المؤمنون عند فرض القتال ، وظهر المحبون الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ، فعندها ربح الذين هم لأنفسهم وأموالهم بائعون وخسر الذين هم لحياة الآخرة مشترون . ( وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله عز وجل ) إذ وصف قارونفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِإلى قومه : (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) فجعل أهل الزهد علماء( وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ ) لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ( فنبه على أن العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه ، ولما لم يتصوّر الزهد إلا بمعاوضة ورغبة في محبوب عمن أحب منه قال رجل في دعائه : اللهم أرني الدنيا كما تراها ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « لا تقل هكذا ) فإن اللّه لا يراها كما تراها ( ولكن قل ) اللهم ( أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك » ) ولفظ القوت كما يراها الصالح من عبادك . وقال العراقي : ذكره صاحب الفردوس مختصرا « اللهم أرني الدنيا كما تريها صالح عبادك » ولم يخرجه ولده . ( وهذا لأن اللّه تعالى يراها حقيرة كما هي ) ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها لحقارتها كما ورد ذلك في الخبر وتقدم في ذم الدنيا ، ( وكل مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله ) وكبريائه وعظمته ( حقير ، والعبد يراها حقيرة في حق نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له ، ولا يتصوّر أن يرى بائع الفرس وإن رغب عن فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلا لأنه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس ، واللّه تعالى غني بذاته عن كل ما سواه ، فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ، ويراه متفاوتا بالإضافة إلى غيره ) وفي نسخة ويراها متفاوتة بالإضافة إلى غيره . ( والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره ) . وساق صاحب القوت هذا الحديث واستنبط منه معنى آخر فقال : وإظهار سر الملكوت معصية إذ اللّه تعالى لم يأمر به ولم يأذن فيه ، فسبحان من خصّ الشاهدين الذين عنده في ظله بمعنى من شهادته كما أعطاهم حيطة بشيء من علمه فأحاط علمهم بما شاء لما أحاط لهم ما شاء ولذلك قال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 629 | مرتضى الزبيدي