تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
أن صفقتهم رابحة فقال تعالى :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
[ التوبة : 111 ] فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر ، وهو أن الآخرة خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا ، إما لضعف علمه ويقينه ، وإما لاستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهورا في يد الشيطان ، وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما بعد يوم إلى أن يختطفه الموت ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت ، وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
[ النساء : 77 ] وإلى تعريف
شرح
وإذا لم يبعها لم تكن مشتراة . ( ثم بيّن ان صفقتهم رابحة فقال تعالى :فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ) فمن باع حياة نفسه وفرق مجموع ماله فاشتراه المولى الكريم منه فعوّضه داره وأسكنه عنده في جواره فقد ربحت صفقته واهتدى سبيله ، فإيمان الزاهدين قد أمرهم باخراج المال والنفس التي هي الهوى ولدخول اليقين على إيمان التصديق ، ( فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن الآخرة خير وأبقى ) وصفها بالخيرية لبقائها في المآل ومنحها وصفين من صفاته ليرغب فيها كما قالوَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقىفإذا شهد العبد بعين قلبه ويقين إيمانه ما صدق به مما علمه بفهم سمعه وإدراك خبره أن ما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه لم يزل كان من المتفكرين في مثل هذه الآي المشاهدين لها كما قال تعالى :كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ[ البقرة : 219 - 220 ] ( وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ويقينه ، وإما لاستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهورا في يد الشيطان ، وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما بعد يوم ) وحينا بعد حين ( إلى أن يختطفه الموت ولا يبقى إلا الحسرة بعد الفوت ) ومن دامت غفلته عظمت في الآخرة حسرته وخسارته . ألم تسمع إلى قوله تعالى :أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ *[ الأعراف : 179 ]لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ[ هود : 22 ] مع قولهوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ[ مريم : 39 ] فهذه صفات الجاهلين وأخلاق نفوس المشركين لفقد حقيقة العلم ووجد عدم اليقين وبمعنى ما ذكرناه ذكرهم خالقهم ، فمن دخل في بعض مداخلهم ووقع به التهديد والوعيد والتخويف الشديد لهم في قوله مخبرا عنهم :مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها[ هود : 15 ] الآية وقوله تعالى :وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ[ يونس : 7 ] فما أعظم حسرة الفوت على من خسر ما ربحه الزاهدون بعد الموت ، ( وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى :قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقىوالمراد بالدنيا هنا هو حب البقاء لمتعة النفس كما يدل عليه قوله تعالى مخبرا عنهموَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ[ النساء : 77 ] فالقتال هو فراق الحياة الدنيا لأنه المشي بالسيف إلى السيف والفناء بين السيفين ، فقالوا : هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا بالقتل ، وهذا هو حب البقاء . ففسر حب البقاء بأنه الدنيا فقال تعالى :قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌوَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقىفانكشف الناس وافتضح
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 628 | مرتضى الزبيدي