تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
شرح
أن كلا من الغنى والفقر لا بدّ له من صبر وشكر ، فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ، بل قد يكون قسط الغنى من الصبر أوفى لأنه يصبر عن قدرة فصبره أتم من صبر من يصبر عن عجز ويكون شكر الفقير أتم لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعته ، والفقير أعظم فراغا بالشكر من الغني وكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساق الصبر والشكر . نعم الذي رجع الناس إليه في المسألة أنهم ذكروا نوعا من الشكر ونوعا من الصبر وأخذوا في الترجيح فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوه القرب شاكرا اللّه عليه وفقيرا متفرغا لطاعة اللّه تعالى ولأوراد العبادات صابرا على فقره هل هو أكمل من ذلك الغنى أم بالعكس ؟ فالصواب في مثل هذا أن أكملهما أطوعهما فإن تساوت طاعتهما تساوت درجتهما واللّه أعلم . اه . وقال صاحب القوت ، قال اللّه تعالى :سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ[ الرعد : 24 ] قيل : على الفقر وقد سمى اللّه الفقراء الصابرين محسنين ووضع عنهم السبيل يوم الدين فقال تعالى :ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ[ التوبة : 91 ] ثم أوقع الحجة والمطالبة على الأغنياء وسماهم ظالمين ووصفهم بأوصاف النساء وجعلهم من المخلفين فقال : من المعنيين في الآيتينإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ[ التوبة : 93 ] يعني بطلب العلوّ فيها ضد الفقراء الصادقين الذين قال في ذكرهم :نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ[ القصص : 83 ] وقد يحتج متوهم لفضل الأغنياء الممسكين لفضول الغنى عل الفقراء عنده بقوله تعالى مخبرا عن الفقراءتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ[ التوبة : 92 ] ولا يعلم أن هذا عند أهل التدبر للقرآن مزيد للفقراء لتمام حالهم لما كانوا محسنين كما قال :تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ[ الأنعام : 154 ] وقالسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *[ البقرة : 58 ] فكان مزيدهم الحزن والإشفاق وخوف التقصير لمشاهدة عظيم حق الربوبية عليهم حتى كأنهم مسيئون ، حتى بشرهم اللّه بأنهم محسنون لما قالما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ[ التوبة : 91 ] لأنه أضافهم إليه في الوصف وعطف بهم عليه في المعنى ، وأيضا فلم يكن بكاؤهم على فوت الدنيا ولا على طلب الغنى ، واللّه تعالى يمدحهم بصبرهم عن الدنيا ويذم الدنيا إليهم ، لكن لما كان حزنهم على طلب المزيد من الفقر ليجدوا الإنفاق فيخرجوه فيفتقروا منه فيزدادوا فقرا من الدنيا ببذل المال على فقرهم فعلى كثرة الإنفاق وخيفة الفقر من الدنيا كان حزنهم ، فهذا فضل ثان للفقر لا على الجمع والإدخار والموضع إلا على الذي فضل به الفقراء من هذه الآية عند أهل الاستنباط والدراية هو مشاركتهم الرسول في حاله ، ووصف اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم بمثل حالهم من قوله تعالى :قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ[ التوبة : 92 ] ثم نعتهم بمثله لأنهم هم الأمثل فالأمثل به فقال تعالى :أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ[ التوبة : 92 ] فمن كان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمثل فهو الأفضل ، وجعل ابن مسعود الفقر حقيقة الإيمان أو عبر عن ذروة الإيمان فقال : لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، والذل أحب إليه من العز . وأما وهب بن منبه فإنه جعل هذه الخصال الثلاث من استكمال العقل