تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
شرح
عن سوء أدب الفقراء مع اللّه في أحوالهم فقال : انحطاطهم من الحقيقة إلى العلم ، وقال : خير النساج دخلت بعض المساجد وإذا فيه فقير فلما رآني تعلق بي وقال : أيها الشيخ تعطف عليّ فإن محنتي عظيمة ، فقلت ، وما هي ؟ فقال : فقدت البلاء وقرنت بالعافية فنظرت فإذا هو قد فتح عليه بشيء من الدنيا . وقال أبو بكر الوراق : طوبى للفقير في الدنيا والآخرة لا يطلب السلطان منه في الدنيا الخراج ولا الجبار في الآخرة الحساب : إلى هنا كلام القشيري . وقال السهروردي في العوارف ، قال ابن الجلاء : الفقر أن لا يكون لك وإذا كان لك لا يكون لك حتى تؤثر ، وقال بعضهم : نعت الفقير السكون عند العدم والاضطراب عند الوجود ، وتقدم مثله في قول النوري إلا أنه قال : والبذل بذل الاضطراب وقال الدراج : فتشت كفن أستاذي أريد مكحلة فوجدت فيها قطعة فتحيرت ، فلما جاء قلت إني وجدت في كفنك قطعة . قال : قد رأيتها ردّها ، ثم قال : خذها فاشتر بها شيئا ، فقلت : ما كان من أمر هذه القطعة بحق معبودك ؟ فقال : ما رزقني اللّه تعالى من الدنيا لا صفراء ولا بيضاء غيرها فأردت أن أوصي أن تشد في كفني فأردها إلى اللّه تعالى . وقال إبراهيم الخوّاص : الفقر رداء الشرف ولباس المرسلين وجلباب الصالحين . وسئل سهل عن الفقير الصادق فقال : لا يسأل ولا يرد ولا يحبس . وقال أبو علي الروذباري : سألني الزقاق ، فقال : يا أبا علي لم ترك الفقراء أخذ البلغة في وقت الحاجة ؟ قال : قلت لأنهم مستغنون بالمعطي عن العطايا . قال : نعم ولكن وقع لي شيء آخر فقلت : هات فافدني قال : لأنهم قوم لا ينفعهم الوجود إذا له فاقتهم ولا تضرهم الفاقة إذا له وجودهم . وقال بعضهم : الفقر وقوف الحاجة على القلب ومحوها عما سوى الرب . وقال المسوحي : الفقير الذي لا تغنيه النعم ولا تغيره المحن . وقال أبو بكر الطوسي : بقيت مدة أسأل عن معنى اختيار أصحابنا لهذا الفقر على سائر الأشياء فلم يجبني أحد بجواب يقنعني حتى سألت نصر بن الحمامي فقال لي : لأنه أول منازل التوحيد فقنعت بذلك . وقال : فارس . قلت لبعض الفقراء مرة ورأيت عليه أثر الجوع والضر : لم لا تسأل فيطعموك ؟ فقال : أخاف أن أسألهم فيمنعوني فلا يفلحون اه . وقال صاحب البصائر : الفقر له بداية ونهاية وظاهر وباطن ، فبدايته الذل ونهايته العز وظاهره العدم وباطنه الغنى ، كما قال رجل لآخر : فقر وذل فقال : لا بل فقر وعز . فقال : فقر وثرى . فقال : لا بل فقر وعرش وكلاهما مصيب . وأما مسألة الفقير الصابر الغني الشاكر وترجيح أحدهما على الآخر فعند المحققين أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى ، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق ، فالمسألة فاسدة من أصلها . وأن التفضيل عند اللّه بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر وغنى . قال تعالى :إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[ الحجرات : 13 ] ولم يقل أفقركم أو أغناكم ، ثم اعلم أن الفقر والغنى ابتلاء من اللّه للعباد فليس كل من أعطاه ووسع عليه قد أكرمه ، ولا كل من ضيق عليه قد أهانه والألزم أن يكرم العبد بطاعته ومحبته ومعرفته وأن يهان إذا سلب ذلك ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى . وقال بعضهم : هذه المسألة محال أيضا من وجه آخر وهو