شرح
ثلثا دينه إنما ذلك لأن المرء بقلبه ولسانه ونفسه ، فإذا تواضع لغني بنفسه ولسانه ذهب ثلثا دينه ، فلو اعتقد فضله بقلبه كما تواضع له بلسانه ونفسه ذهب دينه كله . وقيل : أول ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء : علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه . وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عن اللّه تعالى مات غنيا . وقال النوري : نعت الفقير السكون عند العدم والإيثار عند الوجود وسئل الشبلي عن حقيقة الفقير فقال : أن لا يستغني بشيء دون اللّه . وقال الجنيد : إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه ، فقيل : وهل يكون فقير يوحشه العلم ؟ فقال : نعم إذا كان الفقير صادقا في فقره فطرحت عليه علمك ذاب كما يذوب الرصاص في النار وقال مظفر القرميسيني : الفقير صادقا في فقره فطرحت إلى اللّه حاجة وكأنه يشير إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بما يجري الحق . وقال ابن خفيف : الفقر عدم الأملاك والخروج عن أحكام الصفات . وقال أبو حفص : لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ وليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم ، وإنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد . وقال ابن الجلاء : لولا شرف التواضع لكان حكم الفقير إذا مشى أن يتبختر . وقال يوسف بن أسباط : منذ أربعين سنة ما ملكت قميصين ، وقال بعضهم : رأيت كأن القيامة قامت فيقال : ادخلوا مالك بن دينار ومحمد بن واسع الجنة ، فنظرت أيهما يتقدم فتقدم محمد بن واسع فسألت عن سبب تقدمه فقيل لي : إنه كان له قميص واحد ولمالك بن دينار قميصان .
وقال محمد المسوحي : الفقير الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى الشيء من الأسباب . وسئل متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه ، وتذاكروا عند يحيى بن معاذ الفقر والغنى فقال : لا يوزن غدا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر . وقيل : أوحى اللّه إلى بعض الأنبياء إذا أردت أن تعرف رضاي عنك فانظر كيف رضا الفقراء عنك . وقال الزقاق : من لم يصحبه التقي في فقره أكل الحرام النص . وقال أبو بكر بن طاهر : من حكم الفقير أن لا تكون له رغبة فإن كان ولا بد تجاوز رغبته كفايته ، وسئل أبو بكر المصري عن الفقير الصابر فقال : الذي لا يملك ولا يملك وقال ذو النون : دوام الفقر إلى اللّه مع التخليط أحب إليّ من دوام الصفاء مع العجب ، ومكث أبو جعفر الحذاء عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشاءين فيتصدق من الأبواب ، وقال محمد بن علي الكتاني : كان عندنا بمكة فتى عليه أطمار رثة وكان لا يداخلنا ولا يجالسنا فوقع محبته في قلبي ففتح لي بمائة درهم من وجه حلال فحملتها إليه ووضعتها على طرف سجادته وقلت : إنه فتح لي ذلك من وجه حلال تصرفه في بعض أمورك فنظر إليّ شزرا ثم قال : اشتريت هذه الجلسة مع اللّه على الفراغ بسبعين ألف دينار غير الضياع والمستغلات تريد أن تخدعني عنها بهذه وقام وبددها وقعدت التقطها فلا رأيت كعزه حين مر ولا كذلي حين كنت ألتقطها . وقال ابن خفيف : ما وجبت عليّ زكاة الفطر أربعين سنة ولي قبول عظيم بين الخاص والعام . وسئل عن الفقير يجوع ثلاثة أيام ثم يخرج ويسأل مقدار كفايته إيش يقال فيه ؟ فقال مكدي كلوا واسكتوا فلو دخل فقير من هذا الباب لفضحكم كلكم . وسئل الدقي