شرح
الفقر ، وقيل ليحيى بن معاذ : ما الفقر ؟ قال : خوف الفقر . قيل : فما الغنى ؟ قال : الأمن باللّه .
وقال ابن الكرنبي : إن الفقير الصادق ليحترز من الغني حذرا أن يدخله الغنى فيفسد عليه فقره كما أن الغني ليحترز من الفقر حذرا أن يدخل عليه فيفسد غناه عليه . وسئل أبو حفص بما ذا يقدم الفقير على ربه ؟ فقال : وما ذا للفقير أن يقدم به على ربه سوى فقره . وقيل : أوحى اللّه إلى موسى عليه السلام أتريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الخلق أجمع ؟ قال : نعم . قال : عد المريض وكن لثياب الفقراء فاليا ، فجعل موسى عليه السلام على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلي ثيابهم ويعود المرضى . وقال سهل : خمسة أشياء من جوهر النفس : فقير يظهر الغنى ، وجائع يظهر الشبع ، ومحزون يظهر الفرح ، ورجل بينه وبين رجل عداوة فيظهر له المحبة ، ورجل يصوم بالنهار ويقوم بالليل ولا يظهر ضعفا . وقال بشر : أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر . وقال ذو النون : علامة سخط اللّه على العبد خوفه من الفقر . وقال الشبلي : أدنى علامات الفقر أن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها في يوم ثم خطر بباله أن لو أمسك منها قوت يوم ما صدق في فقره . سمعت الأستاذ أبا علي يقول : تكلم الناس في الفقر والغنى أيهما أفضل . وعندي أن الأفضل أن يعطى الرجل كفايته ثم يصان فيه . وسئل ابن الجلاء : متى يستحق الفقير اسم الفقر ؟
فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه ، فقيل : كيف ذاك ؟ فقال : إذا كان له فليس له ، وإذا لم يكن له فهو له .
قلت : وهو من أحسن العبارات من معنى الفقر الذي يشير إليه القوم وهو أن يصير كله للّه لا تبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه ، فلو بقي عليه شيء في أحكام نفسه ففقره مدخول فيه اه .
ثم قال القشيري : وقيل صحة الفقر أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا لمن إليه فقره . وقال ابن المبارك : إظهار الغنى في الفقر أحسن من الفقر . وقال بنان المصري : كنت بمكة قاعدا وبين يدي شاب فجاءه إنسان وحمل إليه كيسا فيه دراهم ووضعه بين يديه فقال : لا حاجة إلي فيه .
فقال : فرقه على المساكين ، فلما كان العشاء رأيته في الوادي يطلب شيئا فقلت : لو تركت لنفسك شيئا مما كان معك ؟ فقال : لم أعلم أني أعيش إلى هذا الوقت وقال أبو حفص : أحسن ما يتواصل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال . وقال المرتعش : ينبغي للفقير أن لا تسبق همته خطوته . وقال أبو علي الروذباري : كان أربعة في زمانهم واحد كان لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان يوسف بن أسباط ورث سبعين ألف درهم لم يأخذ منها شيئا ، وكان يعمل الخوص بيده وآخر كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعا وهو أبو إسحاق الفزاري ، فكان ما يأخذ من الإخوان ينفقه في المستورين الذين لا يتحركون والذي يأخذه من السلطان كان يخرجه في أهل طرسوس ، والثالث كان يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وهو ابن المبارك يأخذ من الإخوان ويكافىء عليه ، والرابع كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان وهو مخلد بن الحسين كان يقول : السلطان لا يمن والإخوان يمنون . سمعت أبا علي الدقاق يقول في الخبر : من تواضع لغني لأجل غناه ذهب