فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم القائلين :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
[ آل عمران : 7 ] .
شرح
الجاحدين المستكبرين الذين هم قتلى العقول الضعيفة وأتباع الشياطين ، فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم القائلين :آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) ولنذكر ما يتعلق بالفقر مما ذكره القشيري وصاحب القوت وصاحب البصائر وغيرهم تكميلا للباب وتكثيرا للفوائد .
قال القشيري في الرسالة : الفقر شعار الأولياء وحلية الأصفياء واختبار الحق سبحانه لخواصه من الأتقياء والأنبياء والفقراء صفوة اللّه من عباده ومواضع أسراره بين خلقه بهم يصون الخلق وببركاتهم يبسط الرزق . قال معاذ النسفي : ما أهلك قوما وإن عملوا ما عملوا حتى أهانوا الفقراء وأذلوهم ، وقيل : لو لم تكن للفقير فضيلة غير إرادته سعة المسلمين ورخص أسعارهم لكفاه ذلك لأنه لا يحتاج إلى شرائها والغني يحتاج إلى بيعها ، وهذا لعوام الفقراء فكيف حال خواصهم . وسئل يحيى بن معاذ عن الفقر فقال : حقيقته أن لا تستغني إلا باللّه ورسمه عدم الأسباب كلها . وقال إبراهيم القصار : الفقر لباس يورث الرضا إذا تحقق العبد فيه ، وقدم على الأستاذ أبي علي الدقاق فقير في سنة خمس أو أربع وتسعين وثلاثمائة من زوزن وعليه مسح وقلنسوة مسح ، قال له بعض أصحابنا : بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة ؟ فقال : اشتريته بالدنيا فطلب بالآخرة فلم أبعه . سمعت الأستاذ أبا علي يقول : قام فقير في مجلس يطلب شيئا وقال : إني جائع منذ ثلاث وكان هناك بعض المشايخ فصاح عليه قال : كذبت إن الفقر سر وهو لا يضع سره عند من يحمله إلى من يذيعه . وقال حمدون القصار : إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء : رجل مؤمن قتل مؤمنا ، ورجل يموت على الكفر ، ورجل قلبه فيه خوف الفقر . وقال الجنيد : يا معشر الفقراء إنكم تعرفون باللّه وتكرمون باللّه ، فانظروا كيف تكونون مع اللّه إذا خلوتم به . وسئل محمل بن عبد اللّه الفرغاني عن الافتقار إلى اللّه أتم أم الاستغناء باللّه ؟ فقال : إذا صح الافتقار إلى اللّه فقد صح الاستغناء باللّه وإذا صح الاستغناء باللّه فقد كمل الغنى به ، فلا يقال أيهما أتم الافتقار أم الغنى لأنهما حالتان لا يتم إحداهما إلا بالأخرى . وسئل رويم عن نعت الفقير فقال : إرسال النفس في أحكام اللّه ، وقيل : نعت الفقير ثلاثة أشياء : حفظ سره ، وإداء فرضه ، وصيانة فرجه . وقيل للخراز : لم تأخر عن الفقراء رفق الأغنياء ؟ فقال : لثلاث خصال لأن ما في أيديهم غير طيب ولأنهم غير موفقين ولأن الفقراء مرادون للبلاء . وقيل : أوحى اللّه إلى موسى عليه السلام إذا رأيت الفقراء فسائلهم كما تسائل الأغنياء فإن لم تفعل فاجعل كل شيء علمتك تحت التراب . وروي عن أبي الدرداء قال : لأن أقع من فوق قصر فانحطم أحب إليّ من مجالسة الغني لأني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إياكم ومجالسة الموتى » قيل : ومن الموتى ؟ قال :
« الأغنياء » . وقيل للربيع بن خيثم : قد غلا السعر . فقال : نحن أهون على اللّه من أن يجيعنا إنما يجيع أولياءه . وقال إبراهيم بن أدهم : طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب الناس الغنى فاستقبلهم