تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
مقصورا عليه ، ولا يكون ذلك غالبا ، بل يتفكر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات ، إذ لا يزال ينازع كل من تحرك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من يتوهم انه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه ، بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبه حتى في أهله وولده ، ويتوهم مخالفتهم له ثم يتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به في مخالفته ، ولا يزال في شغل دائم ، فللشيطان جندان : جند يطير وجند يسير ، والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيّار ، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار . وهذا لأن الشيطان خلق من النار وخلق الإنسان من صلصال كالفخار ، والفخار قد اجتمع فيه مع النار الطين ، والطين طبيعته السكون والنار طبيعتها الحركة ، فلا يتصور نار مشتعلة لا تتحرك بل لا تزال تتحرك بطبعها . وقد كلف الملعون المخلوق من النار أن يطمئن عن حركته ساجدا لما خلق اللّه من الطين فأبى واستكبر واستعصى وعبر عن سبب استعصائه بأن قال :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] فإذا حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات اللّه عليه وسلامه فلا
شرح
فكره ووسواسه في المباحات ) الشرعية ( وكان ذلك مقصورا عليه ولا يكون ذلك غالبا بل يتفكر في وجوه الحيل ) وأنواع الخداع ( لقضاء الشهوات ) النفسية ، ( إذ لا يزال ينازع كل من تحرك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من يتوهم أنه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة ) أي علامة ( له منه ) تدل على ذلك ، ( بل يقدر المخالفة من أخلص من حبه ) وأحبهم إليه ( حتى في أهله وولده ويتوهم مخالفتهم له ) في أمره أو غرضه ، ( ثم يتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به في مخالفته ) فيطول الحال ويكثر الاشتغال ، ( ولا يزال في شغل دائم ) لا ينتهي إلى حدّ ؛ ( فللشيطان جندان : جند يطير وجند يسير ، والوسواس ) العارض منه ( عبارة عن حركة جنده الطيارة ، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيارة . وهذا لأن الشيطان خلق من النار وخلق الإنسان من صلصال كالفخار ) كما هو نص الكتاب العزيز . ( والفخار قد اجتمع فيه مع النار الطين ) إذ لا يكون فخارا يصلصل إلّا بدخوله في النار ، ( والطين طبيعته السكون ) والاستقرار والبرودة ، ( والنار طبعها الحركة ) والاضطراب والحرارة . ( فلا يتصوّر نار مشتعلة لا تتحرك بل لا تزال تتحرك بطبعها ، وقد كلف الملعون المخلوق من النار أن يطمئن عن حركته ساجدا لما خلق من الطين فأبى ) أي امتنع ( واستكبر واستعصى ، وعبّر عن سبب استعصائه بأن قال :خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) وأن النار أشرف من الطين فكيف يسجد الشريف للمشروف ؟ ( فإذا حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم عليه السلام فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده ) وقد وقع ذلك في مراجعته لبعض