تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال ، فإن الذي كفى الشهوات كلها واعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا ، وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا ، فإن اختلاج الخواطر لا يسكن . وأكثر جولان الخواطر إنما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بدّ وأن يحصل منه ما هو مقدر ، فهو كيفما كان تضييع زمان . وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا باللّه تعالى أو عن فكر يستفيد به معرفة باللّه تعالى ليستفيد بالمعرفة محبة اللّه تعالى فهو مغبون ، هذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات
شرح
يستغني بأحد من خلقه ، وهذا قد روي مرفوعا . وإنما تبع المصنف فيه صاحب القوت حيث لم يصرح برفعه ، فقد رواه أبو نعيم في الحلية ، وكذا البيهقي من حديث زافر بن سليمان ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع عن ابن عمر رفعه . ثم قال أبو نعيم : غريب تفرد به زافر عن عبد العزيز انتهى . وقال الذهبي : زافر بن سليمان قال ابن عدي : لا يتابع على حديثه ، وعبد العزيز بن أبي رواد يروي عن نافع عن ابن عمر نسخة موضوعة . وأورده ابن الجوزي في الموضوعات . وروى الطبراني من حديث أنس « ثلاث من كنوز البر : كتمان الشكوى ، وكتمان المصيبة ، وكتمان الصدقة » . ورواه الطبراني أيضا ، وابن عساكر من حديثه « ثلاث من كنوز البر : إخفاء الصدقة ، وكتمان المصيبة ، وكتمان الشكوى يقول اللّه تعالى : إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر » الحديث . وقد تقدم قريبا ، وبهذا ظهر أن الحديث له أصل ، وإيراد ابن الجوزي إياه في الموضوعات فيه نظر . ( فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال ) لا يخص منها حال دون حال ولا فعل دون فعل ، ( فإن الذي كفى الشهوات كلها واعتزل وحده فلا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا ، وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا ، فإن اختلاج الخواطر لا يسكن ) أبدا ، ( وأكثر جولان الخواطر إنما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بدّ وأن يحصل منه ما هو مقدر ) من الأزل ( فهو كيفما كان تضييع زمان ) فأي فائدة في شيء فات ولم يمكن تلافيه ؟ أم أي فائدة في شيء هو غيب لا يدري كيف يكون ؟ وإليه أشار القائل :ما مضى فات والمؤمل غيب * ولك الساعة التي أنت فيها( وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره ) وكل منهما نفيس ، ( فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيده به أنسا باللّه تعالى أو عن فكر يستفيده به معرفة اللّه تعالى ليستفيد بالمعرفة محبة اللّه تعالى ) ويحظى بمزيد القرب منه ( فهو مغبون ) أي خسر ( هذا إذا كان
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 61 | مرتضى الزبيدي