وردّ ما لنا واللّه المستعان ، فانظر الآن كيف صفت قلوبهم وأحوالهم وكيف خلصت للّه أعمالهم حتى كان يشاهد كل واحد منهم قلب صاحبه من غير مناطقة باللسان ولكن بتشاهد القلوب وتناجي الأسرار وذلك نتيجة أكل الحلال وخلو القلب عن حب الدنيا والاقبال على اللّه تعالى بكنه الهمة فمن أنكر ذلك قبل تجربة طريقه فهو جاهل ، كمن ينكر مثلا كون الدواء مسهلا قبل شربه ومن أنكره بعد أن طال اجتهاده حتى بذل كنه مجهوده ولم يصل فأنكر ذلك لغيره كان كمن شرب المسهل فلم يؤثر في حقه خاصة لعلة في باطنه فأخذ ينكر كون الدواء مسهلا ، وهذا وإن كان في الجهل دون الأوّل ولكنه ليس خاليا عن حظ وافر من الجهل ، بل البصير أحد رجلين : أما رجل سلك الطريق فظهر له مثل ما ظهر لهم فهو صاحب الذوق والمعرفة وقد وصل إلى عين اليقين ، وإما رجل لم يسلك الطريق أو سلك ولم يصل ولكنه آمن بذلك وصدق به فهو صاحب علم اليقين ، وإن لم يكن وأصلا إلى عين اليقين . ولعلم اليقين أيضا رتبة وإن كان دون عين اليقين ، ومن خلا عن علم اليقين وعين اليقين فهو خارج عن زمرة المؤمنين ويحشر يوم القيامة في زمرة الجاحدين المستكبرين الذين هم قتلى القلوب الضعيفة واتباع الشياطين .
شرح
المستعان ) . أي : فمن كان بهذه المثابة من المعرفة والاستشراف على الخواطر كيف لا يكون السؤال مزيدا في درجاته . ( فانظر الآن كيف صفت قلوبهم وأحوالهم وكيف خلصت للّه أعمالهم حتى كان يشاهد كل واحد قلب صاحبه من غير مناطقة باللسان ولكن بتشاهد القلوب وتناجي الأسرار ، وذلك نتيجة أكل الحلال وخلو القلب عن حب الدنيا والإقبال على اللّه بكنه الهمة ) أي خالصها ، ( فمن أنكر ذلك قبل تجربة طريقه فهو جاهل ) وهو ( كمن ينكر مثلا كون الدواء مسهلا ) للبطن ( قبل شربه ) واستعماله ، ( ومن أنكره بعد أن طال اجتهاده حتى بذل كنه مجهوده ولم يصل فأنكر ذلك لغيره كان كمن شرب المسهل فلم يؤثر في حقه خاصة لعلة في باطنه ) كاليبس البالغ وتحجر المعدة ، ( وأخذ ينكر كون الدواء مسهلا وهذا وإن كان في الجهل دون الأوّل ولكنه ليس خاليا عن حظ وافر من الجهل ) بل ضرره أشد ، ( بل البصير السالك أحد رجلين : إما رجل سلك الطريق فظهر له مثل ما ظهر لهم فهو صاحب الذوق والمعرفة وقد وصل إلى ) مرتبة ( عين اليقين ) وهو مقام المشاهدة والكشف ، ( وإما رجل لم يسلك الطريق ) رأسا فهذا لا كلام فيه ( أو سلك ولم يصل ) لقصوره في جهده ( ولكن آمن بذلك وصدق به ) وسلم لأهله ، ( فهذا صاحب علم اليقين ) تصديقه أعطاه الدليل بتصور الأمر على ما هو عليه ، ( وإن لم يكن واصلا ، إلى عين اليقين ولعلم اليقين أيضا رتبة ) بالإضافة إلى ما قبله ( وإن كان دون عين اليقين ، ومن خلا عن علم اليقين وعين اليقين فهو خارج عن زمرة المؤمنين ويحشر يوم القيامة في زمرة