فقال بعضهم : يد المعطي هي يد الآخذ للمال لأنه يعطي الثواب والقدر له لا لما يأخذه ، ثم قال الجنيد : هات الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال :
احملها إليه ، فقلت في نفسي : إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره ، فكيف خلط به مجهولا وهو رجل حكيم ؟ واستحييت أن أساله فذهبت بالصرة إلى النوري فقال : هات الميزان فوزن مائة درهم وقال ردّها عليه وقل له : أنا لا أقبل منك شيئا وأخذ ما زاد على المائة قال : فزاد تعجبي فسألته فقال : الجنيد حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة لنفسه طلبا لثواب الآخرة وطرح عليها قبضة بلا وزن للّه عز وجل فأخذت ما كان للّه تبارك وتعالى ورددت ما جعله لنفسه . قال : فرددتها إلى الجنيد فبكي وقال : أخذ ماله
شرح
يضره ) قال المصنف : ( وكأنه ) أي الجنيد ( أشار ) بذلك ( إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يد المعطي هي العليا » ) قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة اه .
قلت : وروى الطيالسي والنسائي والبغوي وابن قانع والباوردي والطبراني والبيهقي والضياء من حديث ثعلبة بن زهدم الحنظلي : « يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول » . ورواه أحمد والطبراني أيضا من حديث أبي رمثة ، ورواه النسائي أيضا وابن حبان والحاكم من حديث طارق المحاربي ، ورواه أحمد أيضا من حديث رجل من بني يربوع .
( فقال بعضهم : يد المعطي هي يد الآخذ للمال لأنه يعطي الثواب والقدر له لا لما يأخذه ) ، وظاهر هذا يخالفه ما رواه الطبراني من حديث رافع بن خديج : « يد المعطي العليا ويد الآخذ السفلى إلى يوم القيامة » وما رواه مالك والشيخان والنسائي من حديث ابن عمر : « واليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة » إلا أن يقال أن المراد بالمعطي الآخذ إذا كان من غير سؤال ، والآخذ بالسؤال هو الذي اقتضى كون يده سفلى وهو وجيه إلا أنه لا يطابق واقعة حال النوري فتأمل .
( ثم قال الجنيد ) رحمه اللّه تعالى : ( هات الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة ) من الدراهم ( فألقاها على المائة ) جزافا ( ثم قال : احملها إليه ) أي إلى النوري ( فقلت في نفسي :
إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره فكيف خلط به مجهولا وهو رجل حكيم ؟ واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري ) فاستشرف ( على ) باطن ( الأمر فقال : هات الميزان فوزن مائة درهم وقال : ردها عليه وقل له أنا لا أقبل منك شيئا وأخذ ما زاد على المائة .
قال ) الرجل : ( فزاد تعجبي فسألته ) يعني النوري ( فقال ) : أبو القاسم ( الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة لنفسه طلبا لثواب الآخرة وطرح عليها قبضة بلا وزن للّه عز وجل فأخذت ما كان للّه تعالى ورددت ما جعله لنفسه قال : فرددتها ) أي الصرة المذكورة ( إلى الجنيد ) رحمه اللّه تعالى ( فبكى وقال : أخذ ماله وردّ ما لنا واللّه