فإذا درجات أرباب الأحوال في الرضا والصبر والشكر والسؤال كثيرة ، فلا بدّ لسالك طريق الآخرة من معرفتها ومعرفة انقسامها واختلاف درجاتها . فإنه إذا لم يعلم لم يقدر على الرقي من حضيضها إلى قلاعها ، ومن أسفل سافلين إلى أعلى عليين . وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رد إلى أسفل سافلين ، ثم أمر أن يترقى إلى أعلى عليين ، ومن لا يميز بين السفل والعلو لا يقدر على الرقي قطعا ، وإنما الشك فيمن عرف ذلك فإنه لا يقدر عليه وأرباب الأحوال قد تغلبهم حالة تقتضي أن يكون السؤال مزيدا لهم في درجاتهم ولكن بالإضافة إلى حالهم فإن مثل هذه الأعمال بالنيات ، وذلك كما روي أن بعضهم رأى أبا إسحاق النوري رحمه اللّه يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع قال :
فاستعظمت ذلك واستقبحته له فأتيت الجنيد رحمه اللّه فأخبرته بذلك فقال : لا يعظم هذا عليك فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم وإنما سألهم ليثيبهم في الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرهم ، وكأنه أشار به إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يد المعطي هي العليا »
شرح
منعنا صبرنا ، فقال جعفر : الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل ، فقال شقيق : يا ابن رسول اللّه ما الفتوة عندكم ؟ قال : إن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا . وفي بعض النسخ فقال شقيق : اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته .
( فإذا درجات أرباب الأحوال ) من السالكين ( في الرضا والصبر والشكر والسؤال ) والإيثار والفتوة ( كثيرة ) مختلفة ، ( فلا بدّ لسالك طريق الآخرة من معرفتها ومعرفة انقسامها ودرجاتها فإنه إذا لم يعلم لم يقدر في الرقي من حضيضها إلى يفاعها ) أي ذروتها ( ومن أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم ) بنص القرآن ( ثم رد إلى أسفل السافلين ) بنص القرآن أيضا ، ( ثم أمر أن يترقى إلى أعلى عليين ، ومن لا يميز بين السفل والعلو لا يقدر على الترقي مطلقا وإنما الشك فيمن عرف ذلك فإنه ربما يقدر عليه ) فالترقي تابع للمعرفة والتمييز ، ( وأرباب الأحوال ) في أثناء سلوكهم ( قد تغلبهم حالة تقتضي أن يكون السؤال مزيدا في درجاتهم ) في بعض الأحيان وبعض المواطن ، ( فإن مثل هذه الأعمال ) لا يطلع عليها وهي مربوطة ( بالنيات ) ففي الخبر : « إنما الأعمال بالنيات » .
( وذلك كما روي أن بعضهم رأى أبا الحسن ) أحمد بن محمد ( النوري ) رحمه اللّه تعالى بغدادي المولد والمنشأ بغوي الأصل ، وكان من أقران الجنيد وكان كبير الشأن مات سنة خمس وتسعين ومائتين ( يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال ) الرائي : ( فاستعظمت ذلك واستقبحته له ) أي عددته قبيحا من مثله ، ( فأتيت الجنيد ) رحمه اللّه تعالى ( فأخبرته بذلك فقال : لا يعظم هذا عليك ) ولا تتعجب منه ، ( فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم ) لا ليأخذ منهم فإنه في غنى عن ذلك ( إنما سألهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا