شاء أم أبى فإن كان المراد به أن لا تكون في نفسه كراهية المصيبة ، فذلك غير داخل في الاختيار ؟ فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم ، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بقضاء اللّه تعالى ويبقى مستمرا على عادته ، ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت كما روي عن الرميصاء أم سليم رحمها اللّه انها قالت : توفي ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته في ناحية البيت فقدم أبو طلحة فقمت فهيأت له افطاره فجعل يأكل ، فقال :
كيف الصبي ؟ فقلت : بأحسن حال بحمد اللّه ومنه فإنه لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة ، ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك حتى أصاب مني حاجته ، ثم قلت : ألا تعجب من جيراننا قال : ما لهم ؟ قلت : أعيروا عارية فلما طلبت منهم
شرح
شاء أم أبى ، فإن كان المراد به أن لا تكون في نفسه كراهية المصيبة فذلك غير داخل في الاختيار ؟ فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود ) والهلع والتسخط ( والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة ) أي الحزن ( وتغير العادة في الملبس والمفرش والمطعم ، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ) فإنه يفسد واجب الصبر ويحبط عمله في أجر المصيبة ، بل يأثم على فعله ( و ) عليه ( أن يظهر الرضا بقضاء اللّه تعالى ويبقى مستمرا على عادته ) في سائر أحواله ، ومن فعل شيئا مما تقدم ذكره فلا ثواب له على مصيبة لأن نفس المصيبة لا ثواب عليها ، لأن اللّه لا يثيب العباد إلا على ما يدخل تحت اختيارهم ، وإنما الثواب على الصبر لا على المصيبة بل هو آثم في تسخطه على قضاء ربه ، ( و ) عليه أن ( يعتقد أن ذلك كان وديعة ) عنده ( فاسترجعت ، كما روي عن الرميصاء أم سليم رضي اللّه عنها ) هي ابنة ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية وهي أم أنس خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها على أقوال : سهلة ، أو رميلة ، أو رميثة ، أو مليكة أو الرميصاء ، أو العميصاء . وقيل : بل هما لقبان لها ( أنها قالت : توفي ابن لي وزوجي أبو طلحة ) زيد بن سهل ( غائب ) وكانت قد أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار فغضب زوجها مالك بن النضر وخرج إلى الشام فمات بها ، فتزوجت بعده أبا طلحة وكان صداقها الإسلام ( فقمت فسجيته ) أي غطيته ( في ناحية البيت ، فقدم أبو طلحة ) من غيبته ( فقمت فهيأت له إفطاره فجعل يأكل . فقال : كيف الصبي ؟ ) وكان مريضا ( فقلت :
بأحسن حال بحمد اللّه ، فإنه لم يكن منذ اشتكى خيرا منه الليلة ، ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع قبل ذلك حتى أصاب مني حاجته ) يعني خالطها ( فقلت : ألا تعجب من جيراننا ؟ قال : ما لهم ؟ قلت : أعيروا عارية فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا . فقال :