« ومني » . وسمع عمر رضي اللّه عنه سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه : عشّ الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل فقال : ألم أقل لك عشّ الرجل ؟ قال : قد عشيته ، فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال : لست سائلا ولكنك تاجر ، ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرّة وقال : لا تعد . ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ، ولعل الفقيه الضعيف المنة الضيق الحوصلة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول : أما ضربه فهو تأديب وقد ورد الشرع بالتعزير ، وأما أخذه ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال فكيف استجازه ؟ وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه ، فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه واطلاعه على أسرار دين اللّه ومصالح عباده ؟ أفترى أنه لم يعلم أن المصادرة بالمال غير جائزة أو علم ذلك ولكن أقدم عليه غضبا في معصية اللّه وحاشاه ، أو أراد الزجر بالمصلحة بغير طريق شرعها نبي اللّه ، وهيهات فإن ذلك أيضا معصية ، بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه
شرح
قلت : حديث ابن عباس رواه أيضا ابن جرير في تهذيبه ، والعسكري في الأمثال ، والبيهقي .
ولابن عدي من حديث أبي هريرة « استغنوا بغنى اللّه » .
( وسمع عمر ) بن الخطاب ( رضي اللّه عنه سائلا يسأل ) الناس ( بعد المغرب فقال لواحد من قومه : عش الرجل ) فأخذه ( فعشاه ثم سمعه ثانية فقال : ألم أقل لك عش الرجل ؟ قال : قد عشيته فنظر إليه عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال : لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال : لا تعد ) إلى صنيعك هذا . ( ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ) ولما أنكر عليه فعله ونهاه عنه ، ( ولعل الفقيه الضعيف المنة ) بضم الميم أي القوة ( الضيق الحوصلة ) بتشديد اللام ( يستبعد هذا من فعل عمر ) رضي اللّه عنه ( ويقول : أما ضربه فهو تأديب وقد ورد الشرع بالتعزير ) فهو لا بأس به ، ( فأما أخذ ماله ) وهو كسر الخبز التي كانت في المخلاة ( فهو مصادرة ، والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال فكيف استجازه ؟ وهذا استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه واطلاعه على أسرار دين اللّه ومصالح عباده ؟ أفترى أنه لم يعلم أن المصادرة بالمال غير جائزة ، أو ) أنه ( علم ذلك ولكن أقدم عليه غضبا في معصية اللّه وحاشاه ) من ذلك ، ( أو ) أنه ( أراد الزجر بالمصلحة بغير طريق شرعها نبي اللّه ) صلّى اللّه عليه وسلم .
( وهيهات فإن ذلك أيضا معصية بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال ، وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم يدخل في ملكه