الأول : إظهار الشكوى من اللّه تعالى ، إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة اللّه تعالى عنه وهو عين الشكوى ، وكما أن العبد المملوك لو سأل لكان سؤاله تشنيعا على سيده ، فكذلك سؤال العباد تشنيع على اللّه تعالى ، وهذا ينبغي أن يحرم ولا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة .
الثاني : أن فيه إذلال السائل نفسه لغير اللّه تعالى وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير اللّه ، بل عليه أن يذل نفسه لمولاه فإن فيه عزه ، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة ، وفي السؤال ذل للسائل بالإضافة إلى المسؤول .
الثالث : أنه لا ينفك عن ايذاء المسؤول غالبا ، لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه ، فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ ، وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ، ففي البذل نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه ، وكلاهما مؤذيان ، والسائل هو السبب في الإيذاء والإيذاء حرام
شرح
( أما الأول : إظهار الشكوى من اللّه تعالى ) لقصور النعمة ( إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة اللّه تعالى عنه وهو عين الشكوى ، وكما أن العبد المملوك ) لرجل ( لو سأل ) الناس ( لكان سؤاله تشنيعا على سيده ، فكذا سؤال العباد تشنيع على اللّه تعالى وهذا ينبغي أن يحرم ) لما في ضمنه في الشكاية من اللّه تعالى ، ( ولا يحل إلا لضرورة ) ماسة ( كما تحل الميتة ) عند الضرورة .
( والثاني : أن فيه إذلال السائل نفسه لغير اللّه تعالى ) وقد قيل : ثلاث من الذل : الدين ولو درهما ، والبنت ولو مريم ، والسؤال ولو أين الطريق . ( وليس للمؤمن أن يذل نفسه ) كما ورد في الخبر أي إلا في عبادة كتعليم علم أو غيره وقد تقدم في كتاب العلم ، ( بل عليه أن يذل نفسه لمولاه فإن فيه عزه ) بل هو عين العبودية ، ( فأما سائر الخلق فإنهم عبادا مثاله فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة ) دعته لذلك ، ( وفي السؤال للسائل بالإضافة إلى المسؤول منه ) ومن دعاء الإمام أحمد : اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك .
( الثالث : أنه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالبا ) لتردده بين العطاء والمنع ( لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه ) وإنما يستحيي أو يرائي ، ( فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ ) بلا خلاف بين الأمة ، وعلى هذا قولهم : ما أخذ بسيف المحاباة فهو حرام ( وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه ) حينئذ ( في صورة البخلاء ، ففي البذل ) على الوجه المذكور ( نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه وكلاهما مؤذيان ) أحدهما في الظاهر والثاني في الباطن . ( والسائل هو السبب في الإيذاء ) المذكور