تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
فإذا مهما وجدت هذه الشروط فيه وفي المال وفي المعطي فليأخذه ، وينبغي أن يرى ما يأخذه من اللّه لا من المعطي ؛ لأن المعطي واسطة قد سخر للعطاء ، وهو مضطر إليه بما سلط عليه من الدواعي والإرادات والاعتقادات . وقد حكي أن بعض الناس دعا شقيقا في خمسين من أصحابه ، فوضع الرجل مائدة حسنة ، فلما قعد قال لأصحابه : إن هذا الرجل يقول : من لم يرني صنعت هذا الطعام وقدّمته فطعامي عليه حرام ، فقاموا كلهم وخرجوا إلا شابا منهم كان دونهم في الدرجة ، فقال صاحب المنزل الشقيق : ما قصدت بهذا ؟ قال : أردت أن أختبر توحيد أصحابي كلهم . وقال موسى عليه السلام : يا رب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني هذا يوما ويعشيني هذا ليلة فأوحى اللّه تعالى إليه هكذا أصنع بأوليائي ، أجري أرزاقهم على أيدي البطالين من عبادي ليؤجروا فيهم . فلا ينبغي أن يرى المعطي
شرح
اللّه تعالى ) انقطعوا إلى اللّه تعالى فأغناهم عن غيره ، ( فإذا مهما وجدت هذه الشروط فيه في المال وفي المعطي فليأخذ ) وهو الأفضل ، ( وينبغي أن يرى ما يأخذه من اللّه ) تعالى ( لا من المعطي إنما المعطي ) في الظاهر ( واسطة قد سخر للعطاء وهو مضطر إليه بما سلط عليه من الدواعي ) والبواعث ( والإرادات والإعتقادات ) والمعطي الحق في الحقيقة هو اللّه تعالى هذا هو التوحيد الكامل وقد تقدم تحقيق ذلك في أسرار الزكاة . ( وقد حكي أن بعض الناس ) من المعتقدين ( دعا شقيقا ) بن إبراهيم البلخي رحمه اللّه تعالى ( في خمسين من أصحابه ) فأتى بهم إلى منزله ( فوضع الرجل مائدة حسنة ، فلما قعد ) شقيق ( قال لأصحابه : إن هذا الرجل يقول ) يعني صاحب المائدة : ( من لم يرني صنعت هذا الطعام وقدمته فطعامي عليه حرام ، فقاموا كلهم ) ولم يأكلوا ( وخرجوا ) من المنزل وكانوا ممن ينظرون إلى الحقائق ( إلا شابا كان دونهم في الدرجة . فقال صاحب المنزل لشقيق : ما ذا قصدت بهذا ؟ قال : أردت أن أختبر توحيد أصحابي كلهم ) هل كمل توحيدهم أم لا ؟ فإن كمال التوحيد أن لا يرى في الوجود فاعلا إلا اللّه ولا ينكر الوسائط فإنهم مسخرون بإذن اللّه تعالى ، ولما كان الشاب لم يكمل في معرفته بعد أكل من الطعام ولم يقم فإن مقامه يعطي أن الذي صنع الطعام وقدمه إليه هو صاحب المنزل ولا يعدو علمه ذلك . ( وقال موسى عليه السلام : يا رب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني هذا يوما ويعشيني هذا ليلة ، فأوحى اللّه تعالى إليه هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي البطالين ) وفي لفظ العاصين ( من عبادي ليؤجروا فيهم ) نقله صاحب القوت وقال : فعلم هذا للمتوكلين ومعرفة هذه الحكمة لمن أوصل إليهم قسمهم من المؤملين مقام للجمع في