تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
وأما في أعماله ، فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه ، بل يتكبر عليه . قال علي كرّم اللّه وجهه : ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب اللّه تعالى ، وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة باللّه عز وجل ، فهذه رتبة ، وأقل منها أن لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لأن ذلك من مبادئ الطمع . قال الثوري رحمه اللّه : إذا خالط الفقير الأغنياء فاعلم أنه مراء ، وإذا خالط السلطان فاعلم أنه لص . وقال بعض العارفين : إذا خالط الفقير الأغنياء انحلت عروته ، فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته ، فإذا سكن إليهم ضل . وينبغي
شرح
البر ) وروى أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر : « من كنوز البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة » . وروى الطبراني وابن عساكر من حديث أنس « ثلاث من كنوز البر : إخفاء الصدقة وكتمان الشكوى وكتمان المصيبة » . ( وأما في أعماله فأدبه ) وفي بعض النسخ وأما أدبه في أعماله ( أن لا يتواضع لغني لأجل غناه ) فقد روى الديلمي من حديث أبي ذر « لعن اللّه فقيرا تواضع لغني من أجل ماله من فعل ذلك منهم فقد ذهب ثلثا دينه » . وروى البيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود « من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه » وللطبراني في الصغير من حديث أنس « من تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط اللّه عز وجل » ( بل يتكبر عليه ) للّه تعالى إن كان ذلك الغني ممن يفتخر بغناه فإن التكبر عليه حينئذ ربما يكون بمنزلة الصدقة إذا كان الفقر واثقا باللّه عز وجل ، والمعنى فيه واللّه أعلم أن ينظر إلى زيهم وهيئاتهم بنظر الحقارة والاعراض ليصغر في عيونهم بذلك ما عظم في نفوسهم من أمر الدنيا ، فليس المراد بالتكبر هنا معناه الظاهر الذي هو التطاول والتفاخر ، والتظاهر فهو من أكثف حجب القلب وأقوى صفات النفس . ( قال علي كرم اللّه وجهه : ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب اللّه وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة باللّه تعالى ) وقد رأى بعض الصوفية عليا رضي اللّه عنه في المنام وطلب أن يسمع منه شيئا فقاله له ذلك وقد تقدم . ( فهذه رتبة ، وأقل منها أن لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لأن ذلك من مبادئ الطمع ) والطباع تسرق العادات بالمجالسة فيورث ذلك بغض الفقر ومحبة الدنيا . ( قال ) سفيان ( الثوري ) رحمه اللّه تعالى : ( إذا خالط الفقير الأغنياء فاعلم أنه مراء وإذا خالط السلطان فاعلم أنه لص ) رواه أبو نعيم في الحلية ، وروى الديلمي من حديث أبي هريرة : « إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص » وقد تقدم في الأمر بالمعروف . ( وقال بعض العارفين : إذا مال الفقير إلى الأغنياء انحلت عروته ) أي عروة فقره إذ بميله إليهم يبغض الفقر ويحب الدنيا ، ( فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته ) أي عصمة فقره بل تنكسر زجاجة زهده ، ( فإذا سكن إليهم ضل ) عن طريق الوصول إلى اللّه تعالى وصار ذلك السكون من أكثف الحجب . وكان سهل التستري رحمه اللّه تعالى يقول : يلقي اللّه في قلب الفقير الرغبة في أبناء الدنيا والطمع فيهم حتى يخرج إليهم ويلقي في قلوبهم المنع له والجفاء عليهم