تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
وأرفع منه أن يكون طالبا له وفرحا به لعلمه بغوائل الغنى ، ويكون متوكلا في باطنه على اللّه تعالى واثقا به في قدر ضرورته أنه يأتيه لا محالة ويكون كارها للزيادة على الكفاف . وقد قال علي كرّم اللّه وجهه : إن للّه تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر ؛ فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو حاله ، ويشكر اللّه تعالى على فقره ، ومن علاماته - إذا كان عقوبة - أن يسوء عليه خلقه ويعصي ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء ، وهذا يدل على أن كل فقير فليس بمحمود ، بل الذي لا يتسخط ويرضى أو يفرح بالفقر ويرضى لعلمه بثمرته ، إذ قيل : ما أعطى عبد شيئا من الدنيا إلا قيل له : خذه على ثلاثة أثلاث : شغل وهم وطول حساب . وأما أدب ظاهره : فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر ، بل يستر فقره ويستر أنه يستره ففي الحديث : « إن اللّه تعالى يحب الفقير المتعفف أبا العيال » ، وقال تعالى :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
[ البقرة : 273 ] وقال سفيان : أفضل الأعمال التجمل عند المحنة . وقال بعضهم : ستر الفقر من كنوز البر .
شرح
به ) ومحبا له ( لعلمه بغوائل الغنى ) وتهاويله ( ويكون متوكلا في باطنه على اللّه واثقا به في قدر ضرورته أنه يأتيه لا محالة ) على كل حال ، ( ويكون كارها للزيادة على الكفاف وقد قال علي رضي اللّه عنه : إن اللّه تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر ، فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع فيه ربه ولا يشكو حاله ويشكر اللّه تعالى على فقره ، ومن علامته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه ويعصي ربه ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء ) نقله صاحب القوت ، ( وهذا يدل على أن كل فقر ليس محمودا ) بل بعض الفقر مذموم وهذا منه ، ( بل الذي لا يتسخط ويرضى ) بما قضاه له مولاه ( أو يفرح بالفقر ويرضى لعلمه بثمرته ) فهذا هو المحمود ( إذ قيل : ما أعطي عبد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث ) : ثلث ( شغل ) به ، ( و ) ثلث ( هم ) ملازم وهذان في الدنيا ، ( و ) ثلث ( طول حساب ) وهذا في الآخرة . وروى الطبراني من حديث ابن مسعود : من أشرب قلبه حب الدنيا التاط منها بثلاث : شقاء لا ينفد عناه ، وحرص لا يبلغ غناه ، وأمل لا يبلغ منتهاه . ( وأما أدب ظاهره ) وفي نسخة وأما أدبه في ظاهره ( فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر ) لأحد ( بل يستر فقره و ) أعلى من ذلك أن ( يستر أنه يستره ، ففي الحديث : « إن اللّه تعالى يحب ) عبده المؤمن ( الفقير المتعفف أبا العيال » ) رواه ابن ماجة والطبراني وابن عدي والبيهقي من حديث عمران بن حصين وقد تقدم . ( وقال ) تعالى :( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِوقال سفيان ) الثوري رحمه اللّه تعالى : ( أفضل الأعمال التجمل عند المحنة ) رواه أبو نعيم في الحلية . ( وقال بعضهم : ستر الفقر من كنوز
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 579 | مرتضى الزبيدي