تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
النظر في فقير حريص متكالب على طلب المال ليس له هم سواه . وفي غنى دونه في الحرص ، على حفظ المال ، ولم يكن تفجعه بفقد المال لو فقده كتفجع الفقير بفقره ، فهذا في محل النظر والأظهر ، أن بعدهما عن اللّه تعالى بقدر قوة تفجعهما لفقد المال وقربهما بقدر ضعف تفجعهما بفقده ؛ والعلم عند اللّه تعالى فيه . بيان آداب الفقير في فقره : اعلم أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ومخالطته وأفعاله ينبغي أن يراعيها . فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه اللّه تعالى به من الفقر ، أعني أنه لا يكون كارها فعل اللّه تعالى من حيث أنه فعله - وإن كان كارها للفقر - كالمحجوم ويكون كارها للحجامة لتألمه بها ولا يكون كارها فعل الحجام ولا كارها للحجام ، بل ربما يتقلد منه منة ، فهذا أقل درجاته وهو واجب ، ونقيضه حرام ومحبط ثواب الفقر ، وهو معنى قوله عليه السلام : « يا معشر الفقراء أعطوا اللّه الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا » وأرفع من هذا أن لا يكون كارها للفقر ، بل يكون راضيا به ،
شرح
هو دونه في الحرص على حفظ المال ولم يكن تفجعه بفقد المال لو فقده ) بسرقة أو تفريق أو غير ذلك ، ( كتفجع الفقير بفقده . فهذا في محل النظر ) والتأمل ( والأظهر ) في القولين ( أن بعدهما عن اللّه تعالى بقدر قوة تفجعهما بفقد المال وقربهما ) من اللّه تعالى ( بقدر ضعف تفجعهما بفقده والعلم عند اللّه تعالى فيه ) واللّه الموفق .

بيان آداب الفقير في فقره :

( اعلم ) رفقك اللّه تعالى ( أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ومخالطته ) مع الناس ( وأفعاله ينبغي أن يراعيها ) ويحافظ عليها ، ( فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه اللّه تعالى به من الفقر ) لأنه تعالى قسم لمصلحته . ( أعني أنه لا يكون كارها فعل اللّه تعالى من حيث أنه فعله ، وإن كان كارها للفقر ) فإن قلت : الطباع تنفر من المؤلم ، فأقول : الشرع لا يؤاخذ العباد على النفرة الطبيعية ، وهذا ( كالمحجوم يكون كارها للحجامة لتألمه بها ولا يكون كارها فعل الحجام ولا كارها للحجام ) فالنفرة من حديدة الحجام طبيعية لا خلاص منها إلا بالاستغراق وذلك مقام الصديقين ، ( بل ربما يتقلد منه منة ) ويعطيه أجرة وهذه أفعال أختياريه ، فهكذا ينبغي أن تفهم هذه المسألة ( وهو واجب ونقيضه حرام ومحبط ثواب الفقر وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يا معشر الفقراء أعطوا اللّه الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلّا فلا » ) رواه الديلمي من حديث أبي هريرة وقد تقدم قريبا . ( وأرفع من هذا أن لا يكون كارها للفقر بل يكون راضيا به وأرفع منه أن يكون طالبا له وفرحا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 578 | مرتضى الزبيدي