تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
نفث في روعي : أحبب من أحببت فإنك مفارقه » ، وهذا تنبيه على أن فراق المحبوب شديد ، فينبغي أن تحب من لا يفارقك وهو اللّه تعالى ، ولا تحب ما يفارقك وهو الدنيا ، فإنك إذا أحببت الدنيا كرهت لقاء اللّه تعالى ، فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه ، وفراقك لما تحبه ، وكل من فارق محبوبا فيكون أذاه في فراقه بقدر حبه وقدر أنسه به وأنس الواجد للدنيا القادر عليها أكثر من أنس الفاقد لها ، وإن كان حريصا عليها فإذا قد انكشف بهذا التحقيق أن الفقر هو الأشرف والأفضل والأصلح لكافة الخلق إلا في موضعين أحدهما : غنى مثل غنى عائشة رضي اللّه عنها يستوي عنده الوجود والعدم ، فيكون الوجود مزيدا له ؛ إذ يستفيد به أدعية الفقراء والمساكين وجميع همهم ، والثاني الفقر عن مقدار الضرورة فإن ذلك يكاد أن يكون كفرا ، أو لا خير فيه بوجه من الوجوه إلا إذا كان وجوده يبقي حياته ثم يستعين بقوته وحياته على الكفر والمعاصي ولو مات جوعا لكانت معاصيه أقل ؛ فالأصلح له أن يموت جوعا ولا يجد ما يضطر إليه أيضا ؛ فهذا تفصيل القول في الغنى والفقر . ويبقى
شرح
فإنك مفارقه ) وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به » . رواه الشيرازي في الألقاب من حديث سهل بن سعد نحوه . ورواه الطبراني في الأصغر والأوسط من حديث علي ، وقد تقدم في آخر الباب السابع من كتاب العلم . ( وهذا تنبيه على أن فراق المحبوب شديد ، فينبغي أن تحب من لا يفارقك ) أبدا ( وهو اللّه تعالى ولا تحب ما يفارقك ) ولو بعد حين ( وهو الدنيا فإنك إذا أحببت الدنيا كرهت لقاء اللّه تعالى ، فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه وفراقك لما تحبه ، وكل من فارق محبوبا فيكون أذاه في فراقه بقدر حبه ) له ( وقدر أنسه به ) وألفته ( معه وأنس الواجد للدنيا بالدنيا أكثر من أنس الفاقد لها وإن كان حريصا عليها ) وملتفتا لتحصيلها ، ( فإذا قد انكشف بهذا التحقيق أن الفقر هو الأشرف والأفضل والأصلح لكافة الخلق إلا في موضعين . أحدهما : غنى مثل غنى عائشة ) رضي اللّه عنها ( يستوي عنده الوجود والعدم فيكون الوجود ) مع هذا الحال ( مزيدا له ) في حاله ( إذ يستفيد به ) حينئذ ( أدعية الفقراء والمساكين وجمع هممهم ) وتوجهات بواطنهم وفيه فضيلة ظاهرة ، ( والثاني : الفقر عن مقدار الضرورة ) الماسة ( فإن ذلك يكاد أن يكون كفرا ) كما ورد الخبر ( فلا خير فيه ) أي في الكفر أو في هذا الفقر ( بوجه من الوجوه إلا إذا كان وجوده يبقي حياته ، ثم يستعين بقوته وحياته على الكفر ) أو ما يفضي إليه ( و ) على ( المعاصي ) أو ما يفضي إليها ، ( ولو مات جوعا لكانت معاصية أقل فالأصلح له أن يموت جوعا ولا يجد ما يضطر إليه أيضا ، فهذا تفصيل القول في الغنى والفقر ، ويبقى النظر في فقير حريص متكالب على طلب المال ليس له هم سواه وفي غني
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577 | مرتضى الزبيدي