تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
منه في المعيشة وكان قصده أن يسلك سبيل الدين ويستعين به عليه فحال الوجود أفضل ، لأن الفقر يشغله بالطلب ، وطالب القوت لا يقدر على الفكر والذكر إلا قدرة مدخوله بشغل ؛ والمكفي هو القادر ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا » وقال : « كاد الفقر أن يكون كفرا » أي الفقر مع الاضطرار فيما لا بد منه وإن كان المطلوب فوق الحاجة أو كان المطلوب قدر الحاجة ولكن لم يكن المقصود الاستعانة به على سلوك سبيل الدين ؛ فحالة الفقر أفضل وأصلح ، لأنهما استويا في الحرص وحب المال ، واستويا في أن كل واحد منهما ليس يقصد به الاستعانة على طريق الدين ، واستويا في أن كل واحد منهما ليس يتعرض لمعصية بسبب الفقر والغنى ولكن افترقا في أن الواجد يأنس بما وجده فيتأكد حبه في قلبه ويطمئن إلى الدنيا والفاقد المضطر يتجافى قلبه عن الدنيا وتكون الدنيا عنده كالسجن الذي يبغي الخلاص منه ومهما استوت الأمور كلها وخرج من الدنيا رجلان أحدهما أشد ركونا إلى الدنيا ؛ فحاله أشد لا محالة ؛ إذ يلتفت قلبه إلى الدنيا ويستوحش من الآخرة بقدر تأكد أنسه بالدنيا ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس
شرح
المعيشة كان قصده أن يسلك سبيل الدين ) لحج وجهاد وصلة وقربات ( ويستعين به عليه ) كمطعم وملبس ومسكن ونحو ذلك ، ( فحال الوجود أفضل ) في حقه ( لأن الفقر يشغله بالطلب ) ، والقلب إذا انصرف إلى ذلك لم يتفرغ للدين ، ( وطالب القوت لا يقدر على الفكر والذكر إلا قدرة مدخوله بشغل والمكفي هو القادر ) وليس هذا من حظوظ الدنيا ، فإن أخذ الكفاية من الدنيا على نية التقوى على سلوك سبيل الدين كان ذلك كفاية ، وهذه إحدى فوائد المال المشار إليها في الاجمال . ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا » ) تقدم قريبا . ( وقال ) صلّى اللّه عليه وسلم : ( « كاد الفقر أن يكون كفرا » ) تقدم مرارا ( أي الفقر مع الاضطرار فيما لا بدّ منه ) فهذا هو الذي يكاد أن يكون كفرا ، ( وإن كان المطلوب فوق الحاجة ) الضرورية ( أو كان المطلوب قدر الحاجة ولكن لم يكن المقصود الاستعانة به على سلوك سبيل الدين فحالة الفقد أفضل وأصلح ) في حقه ( لأنهما استويا في الحرص وحب المال واستويا في آن كل واحد منهما ليس يقصد به الاستعانة على طريق الدين واستويا في أن كل واحد منهما ليس يتعرض لمعصية بسبب الفقر والغنى ، ولكن افترقا في أن الواجد يأنس بما وجده فيتأكد حبه في قلبه ) ويطمئن ( إلى الدنيا ، والفاقد المضطر يتجافى قلبه عن الدنيا وتكون الدنيا عنده كالسجن الذي يبغي الخلاص منه ، ومهما استوت الأمور كلها وخرج من الدنيا رجلان أحدهما أشد ركونا إلى الدنيا ) أي ميلا إليها ( فحاله أشد لا محالة إذ يلتفت قلبه إلى الدنيا ويستوحش من الآخرة بقدر تأكد أنسه بالدنيا . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « إن روح القدس ) أي جبريل عليه السلام ( نفث في روعي ) أي ألقى فيه ( أحبب ما أحببت
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 576 | مرتضى الزبيدي