الوصول إلى اللّه تعالى ولا الفقر مطلوبا لعينه لكن لأن فيه فقد العائق عن اللّه تعالى وعدم الشاغل عنه ، وكم من غني لم يشغله الغنى عن اللّه عز وجل مثل سليمان عليه السلام وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهما ، وكم من فقير شغله الفقر وصرفه عن المقصد ، وغاية المقصد في الدنيا هو حب اللّه تعالى والانس به ، ولا يكون ذلك إلا بعد معرفته ، وسلوك سبيل المعرفة مع الشواغل غير ممكن ، والفقر قد يكون من الشواغل كما أن الغنى قد يكون من الشواغل ، وإنما الشاغل على التحقيق حب الدنيا ، إذ لا يجتمع معه حب اللّه في القلب ، والمحب للشيء مشغول به سواء كان في فراقه أو في وصاله ، وربما يكون شغله في الفراق أكثر ، وربما يكون شغله في الوصال أكثر ، والدنيا معشوقة
شرح
كالخادم ، فإن الأوقات التي يصرفها في خدمة نفسه إذا تولاها غيره استفاد عمرا جديدا ليصرفه في الفكر والعلم ويستفيد من الفكر والعلم محبة اللّه والانس به .
الثالثة : وهو ما يتعدى نفعه كبناء المساجد والرباطات وحفر الآبار في الطرق وغير ذلك مما هو مستجلب لأدعية الصالحين . وللمال أيضا آفات ثلاث .
الأولى : أنه يجر إلى المعصية ، ومن العصمة أن لا يجد والصبر مع القدرة شديد .
الثانية : أنه يجر إلى التنعم بالمباح ومتى تعودت النفس ذلك تولد منها آفات عظيمة والفقير بمعزل عن ذلك .
الثالثة : وهي التي لا ينفك عنها أحد وهي أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر اللّه عز وجل وكل ما شغل عن اللّه تعالى فهو خسران ، فالأفضل من قامت به هذه الفوائد وسلم من هذه الآفات ، ومن لم يكن كذلك وإلا ففي الفقر السلامة الكبرى ، وهذا حاصل ما يذكره المصنف فلنشرع فيه قال :
( والدنيا ليست محذورة لعينها ) أي لذاتها ، ( ولكن لكونها عائقة عن الوصول إلى اللّه تعالى ، ولا الفقر مطلوبا لعينه لكن لأن فيه فقد العائق عن اللّه تعالى وعدم الشاغل عنه ، وكم من غني لم يشغله الغنى عن اللّه تعالى مثل سليمان عليه السلام ) وكذا داود وإبراهيم عليهما السلام فإنهم كانوا أصحاب جدة ، ( و ) مثل ( عثمان ) بن عفان ، ( وعبد الرحمن بن عوف ) رضي اللّه عنهما فإنهما من أغنياء الصحابة ، فهؤلاء كلهم لم يشغلهم الغنى عن اللّه تعالى .
( وكم من فقير شغله الفقر وصرفه عن القصد ) كغالب أبناء الدنيا . ( وغاية المقصد في الدنيا هو حب اللّه تعالى والإنس به ، ولا يكون ذلك إلا بعد معرفته ، وسلوك سبيل المعرفة مع ) وجود ( الشواغل ) الصارفة ( غير ممكن ، والفقر قد يكون من الشواغل ، كما أن الغنى قد يكون من الشواغل ، وإنما الشاغل على التحقيق حب الدنيا ) وهو أساس كل خطيئة ( إذ يجتمع معه حب اللّه في القلب والمحب للشيء مشغول به سواء كان في فراقه أو في وصاله ، وربما يكون شغله في الفراق أكثر ، وربما يكون شغله في الوصال أكثر )