وقد يشهد له ما روي في الخبر : أن الفقراء شكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سبق الأغنياء بالخيرات والصدقات والحج والجهاد ، فعلمهم كلمات في التسبيح وذكر لهم انهم ينالون بها فوق ما ناله الأغنياء ، فتعلم الأغنياء ذلك فكانوا يقولونه ، فعاد الفقراء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبروه ، فقال عليه السلام : « ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء » .
وقد استشهد ابن عطاء أيضا لما سئل عن ذلك فقال : الغنى أفضل ! إنه وصف الحق أما دليله الأول ففيه نظر ، لأن الخبر قد ورد مفصلا تفصيلا يدل على خلاف ذلك :
وهو أن ثواب الفقير في التسبيح يزيد على ثواب الغني ، وأن فوزهم بذلك الثواب فضل
شرح
أي لابن عطاء ( ما روي في الخبر أن الفقراء شكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سبق الأغنياء بالخيرات والصدقات والحج والجهاد ، فعلمهم كلمات في التسبيح وذكر لهم أنهم ينالون بها فوق ما ناله الأغنياء ، فتعلم الأغنياء ذلك فكانوا يقولون فعادوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال « ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء » ) قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي هريرة نحوه اه .
قلت : لفظهما « ألا أحدثكم بحديث إن أخذتم به أدركتم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلّا من عمل مثله ؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين » وفي لفظ للبخاري : « قال الفقراء ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا ، وانفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال فقال : ألا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولم يأت بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله ؟
تسبحون في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا » ورواه مسلم نحوه ، وهو بهذا اللفظ عند الطيالسي من حديث أبي الدرداء . وروى ابن ماجة من حيث أبي ذر « ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه أدركتم من قبلكم وفيتم من بعدكم ؟ تحمدون اللّه في دبر كل صلاة وتسبحونه وتكبرونه ثلاثا وثلاثين وثلاثا وثلاثين وأربعا وثلاثين » وروى ابن حبان نحوه من حديث أبي هريرة .
( وقد استشهد ابن عطاء أيضا لما سئل عن ذلك ) سأله بعض الشيوخ عن الوصفين أيهما أفضل ؟ ( فقال : الغنى أفضل لأنه وصف الحق . أما دليله الأول ) وهو التمسك بحديث أبي هريرة ( ففيه نظر لأن الخبر ) المذكور ( قد روي مفصلا تفصيلا يدل على خلاف ذلك ، وهو أن ثواب الفقير في التسبيح يزيد على ثواب الغني وأن فوزهم بذلك الثواب فضل اللّه يؤتيه من يشاء ) وبيانه : أن هذا عند أولي الألباب في تدبر الخطاب يعني به الفقراء لأنه قيل لهم في أول الكلام : إن ذلك لم يسبقكم أحد قبلكم ولم يدرككم أحد بعدكم ، فثبت هذا القول من الرسول وصح ، فما جاء بعده يكون محمولا عليه ومفسرا له ، ولم يجز أن ينقلب الخطاب لأنه أخبار عن شيء فكيف يرجع عنه أو ينسخ الخبر عن أمر بقول آخر ؟ فلما فعل الأغنياء ما أمر به الفقراء من الذكر وقف الفقراء في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لنظرهم إلى مزيد الأغنياء عليهم بفضل القول ، فرجعوا إليه يستفتون منه الخبر ويستثبتون عنه ما به أخبر فقال : لا تعجبوا فإن الذي