إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 560
جمعت مالا فقل لي هل جمعت له * يا جامع المال أياما تفرقه المال عندك مخزون لوارثه * ما المال مالك إلا يوم تنفقه أرفه ببال فتى يغدو على ثقة * إن الذي قسم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون ما يدنسه * والوجه منه جديد ليس يخلقه إن القناعة من يحلل بساحتها * لم يلق في ظلها هما يؤرقه بيان فضيلة الفقر على الغنى : اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا ، فذهب الجنيد والخوّاص والأكثرون إلى تفضيل الفقر . وقال ابن عطاء : الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر . ويقال إن الجنيد دعا علي بن عطاء لمخالفته إياه في هذا فأصابته محنة ، وقد ذكرنا ذلك في كتاب أي يأتيه ليلا : ( جمعت مالا فقل لي هل جمعت له * يا جامع المال أياما تفرقه ) ( المال عندك مخزون لوارثه * ما المال مالك إلا يوم تنفقه ) ( ارفه ببال فتى يغدو على ثقة * إن الذي قسم الأرزاق يرزقه ) ( فالعرض منه مصون ما يدنسه * والوجه منه جديد ليس يخلقه ) ( إن القناعة من يحلل بساحتها * ولم يلق في ظلها هما يؤرقه ) أي يحزنه ويقلقه . بيان فضيلة الفقر على الغنى : ( اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن الناس قد اختلفوا في هذه ، فذهب ) أبو القاسم ( الجنيد و ) إبراهيم بن أحمد ( الخوّاص ) مات قبل العشرين وثلاثمائة ( والأكثرون ) من المشايخ ( إلى تفضيل الفقر ) على الغنى وهو الحق الذي لا محيد عنه . ( وقال ) أبو العباس أحمد بن محمد ( بن عطاء ) الآدمي المتوفى سنة 309 : ( الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر . ويقال : إن الجنيد ) رحمه اللّه تعالى ( دعا علي بن عطاء ) وباهله في هذه المسألة ( لمخالفته إياه في هذا ) وانكاره له أشد الإنكار ( فأصابته محنة ) واستجيب فيه دعاء الجنيد ، وكان الجنيد يقول : الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر وإن تساويا في المقام بحكم حالهما لأن الغني التقي يمنع نفسه وينعم صفته ، والفقير الصابر قد أدخل على صفته الآلام والمكاره ، فقد زاد عليه بذلك وهذا كما قال . وكذلك كان أحمد بن حنبل يقول : ما أعدل بالفقر شيئا وكان يفضل حال الفقر ويعظم شأن الفقير الصابر . وقال المروزي وذكر بعض الفقراء فجعل يمدحه ويكثر السؤال عنه فقلت له : يحتاج إلى علم . فقال : ويحك اسكت صبره على الفقر ومقاساته للضر خير من كثير من