تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
بيانه ، ووراء هذه الأحوال الخمسة حالة هي أعلى من الزهد وهي أن يستوي عنده وجود المال وفقده ، فإن وجده لم يفرح به ولم يتأذّ ، وإن فقده فكذلك ، بل حاله كما كان حال عائشة رضي اللّه تعالى عنها إذا أتاها مائة ألف درهم من العطاء فأخذتها وفرقتها من يومها فقالت خادمتها : ما استطعت فيما فرقت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه ، فقالت : لو ذكرتيني لفعلت ، فمن هذه حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده وخزائنه لم تضره ، إذ هو يرى الأموال في خزانة اللّه تعالى لا في يد نفسه ، فلا يفرق بين أن تكون في يده أو في يد غيره ، وينبغي أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغني ، لأنه غني
شرح
وإن انضم إلى حالة الاضطرار جزع وشكوى حرم ذلك وبين الدرجتين أوساط مختلفة المراتب ، فأي فقد قارنه رضا أو قناعة كان له فضل الراضي والقانع وإن قارنه حرص كان لا له ولا عليه إلا أن يجره الحرص إلى أخذ المال من شبهة أو حرام ، فهذا هو الفقر الحرام الذي يستعاذ منه كما سيأتي ، ثم أن الفقر له لواحق ثلاثة التبتل والغناء والتجريد ، وقد أشار المصنف إلى هذه اللواحق بطريق التلويح فقال : ( ووراء هذه الأحوال الخمسة حالة هي أعلى من الزهد وهو أن يستوي عنده وجود المال وفقده ) ، وتقرير ذلك أنه قد سبق أن الفقد مطلق ومقيد . فاعلم أن المطلق يراد لذاته لتعلقه باللّه تعالى ، والمقيد يراد لغيره لتعلقه بالمال ، والحكمة في ذلك أن المال لما كان ملهيا عن اللّه تعالى وشاغلا عن طاعته ومميلا بصاحبه إلى جانب الترفه ومحرضا له على المعصية أثنى الشرع على الفقر ليتفرغ العباد بالتبتل إلى اللّه تعالى والانقطاع إليه ، لأن حقيقة التبتل الانقطاع إلى اللّه تعالى ، فمن قطع تعلق قلبه عن الأغيار شغلا به وانقطاعا إليه فهو المتبتل ، فإن وجدنا هذه صفته واستولى ذلك على قلبه حتى صار همه هما واحدا واستوى عنده وجود المال وعدمه ، ( فإن وجد لم يفرح به ولم يتأذّ وإن فقد فكذلك ) أي لا يفرحه وجوده إن وجد ولا يحزنه فقده إن فقد ، ( بل حاله ) حال الغني عن دخول المال في يده وعن بقائه وعن خروجه من يده ، فإنه ليس يتأذى به فيحتاج إلى الخروج ولا يفرح به فيحتاج إلى البقاء وليس فاقدا له فيحتاج إلى الدخول ، وهذا ( كما كان حال عائشة رضي اللّه عنها إذا أتاها مائة ألف درهم من العطاء فأخذتها وفرقتها من يومها فقالت خادمتها : ما استطعت فيما فرقت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه . فقالت : لو ذكرتني لفعلت ) رواه هشام بن عروة عن أبيه أن معاوية بعث إلى عائشة مرة بمائة ألف . قال : فو اللّه ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فرقتها ، فقالت مولاة لها : لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهم لحما ؟ فقالت : لو قلت لي قبل أن أفرقها فعلت . ورواه محمد بن المنكدر التيمي وهو ابن خالة عائشة عن أم درة مولاة عائشة نحو هذه القصة إلا أنها قالت : بعث إليها ابن الزبير بمال في غرارتين . قالت : أراه ثمانين ومائة ألف ، وقد تقدم ذلك كله في كتاب ذم الدنيا ( فمن هذه حاله فلو كانت الدنيا بحذافيرها ) أي بتمامها ( في يده وخزانته لم يضره إذ هو يرى الأموال في خزانة اللّه تعالى لا في يد نفسه ، فلا يفرق بين أن تكون في يده أو في يد غيره ، وينبغي أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغني ) لا الغني ( لأنه