إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 520
وبيان تحريم السؤال بغير ضرورة ، وبيان مقدار الغنى المحرّم للسؤال ، وبيان أحوال السائلين واللّه الموفق للصواب بلطفه وكرمه . بيان حقيقة الفقر واختلاف أحوال الفقير وأساميه : اعلم أنّ الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه ، أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقرا وإن كان المحتاج إليه موجودا مقدورا عليه لم يكن المحتاج فقيرا ، وإذا فهمت هذا لم تشك في أن كل موجود سوى اللّه تعالى فهو فقير لأنه محتاج إلى دوام الوجود في ثاني الحال ودوام وجود مستفاد من فضل اللّه تعالى . وجوده فإن كان في الوجود موجود ليس وجوده مستفادا له من غيره فهو الغنى المطلق ولا يتصور أن يكون مثل هذا الموجود إلا واحدا فليس في الوجود إلا غني واحد وكل من عداه فإنهم محتاجون إليه ليمد وجودهم بالدوام وإلى هذا الحصر الإشارة بقوله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ وبيان تحريم السؤال بغير ضرورة ، وبيان مقدار الغنى المحرم للسؤال ، وبيان أحوال السائلين ) تتضمنها فصول تسعة . بيان حقيقة الفقر واختلاف أحوال الفقير وأساميه : ( اعلم ) أغناك اللّه تعالى ( أن الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه ) مالا أو غيره ، ( أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقرا وإن كان المحتاج إليه موجودا مقدورا عليه لم يكن المحتاج فقيرا ) فالفقير هو الفاقد المحتاج والفقر هو الفقد والاحتياج . قال أهل اللغة : هو فعيل بمعنى فاعل وفسروه بقليل المال . قال ابن السراج : ولم يقولوا فقر أي : بالضم لأنهم استغنوا عنه بافتقر . وقال في المؤنث ، فقيرة وجمعها فقراء ومثله سفيه وسفهاء ولا ثالث لهما ، ويتعدى بالهمزة فيقال أفقرته فافتقر . وقال بعضهم : الفقر هو عدم الشيء بعد وجوده فهو أخص من العدم لأن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد ذكره الراغب ، ( وإذا فهمت هذا لم تشك في أن كل موجود سوى اللّه تعالى فهو فقير لأنه محتاج إلى دوام الوجود في ثاني الحال ودوام الوجود مستفاد من فضل اللّه تعالى ، فإن كان في الوجود موجود ليس وجوده مستفادا له من غيره فهو الغني المطلق ، ولا يتصوّر أن يكون مثل هذا الموجود إلا واحدا فليس في الوجود إلا غني واحد وكل من عداه فإنهم محتاجون إليه ليمد وجودهم بالدوام ) لما تقدم أن الفقر عبارة عن الفقد والاحتياج ، ولكن الاحتياج على ضربين : احتياج مطلق واحتياج مقيد ، وقد أشار المصنف إلى القسم الأول وهو افتقار العبد إلى موجد يوجده ، واحتياجه إلى بقاء بعد الإيجاد ، واحتياجه إلى هدايته إلى موجده بعد الابقاء ، وهذا هو الفقر إلى اللّه تعالى لأن إيجاده وإبقاءه وهدايته باللّه تعالى الذي هو واجب بذاته غني عن الاحتياج إلى غيره . وهذا الفقر واجب لأنه من عقود الايمان باللّه ، والحال الذي ينشأ عن هذه المعرفة شهوده فقره وحاجته على الدوام كشهوده