تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
ببغض نفسه أيضا مشغول عن اللّه تعالى ، بل كل ما سوى اللّه ، مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق ، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه ، ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ولم يلتفت إليه ، فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور المعشوق شرك في العشق ونقص فيه فكذا النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص ، ولكن أحدهما أخف من الآخر ، بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضا وحبا ، فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة فلا يجتمع أيضا بغض وحب في حالة واحدة ؛ فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن
شرح
مشغول عن اللّه ، والمشغول ببغض نفسه أيضا مشغول عن اللّه تعالى ) ، وأما صاحب هذه الحالة فهو المستغرق الذي لا يشغله شيء عن اللّه تعالى ، ومن قال : إن الغنى أفضل من الفقر فإن أراد هذا فهو الصواب ، وإن أراد الغنى بالاعراض الدنياوية كان زيفا ، فليس ذلك من وصف اللّه تعالى بل الرب تعالى إذا أراد أن يحجب العبد عن معرفته وطاعته خوّله بذلك حتى يشغله بأخس جزء من الدنيا . قال الإمام أبو العباس الاقليشي رحمه اللّه تعالى : فمن افتقر إلى اللّه تعالى الافتقار الحقيقي وسأله الغنى الباقي لا العرضي أغنى نفسه الفقيرة بعلومه المنيرة ، فاستفاد وأفاد وأنفق من مال لا يخاف عليه النفاد ، فهذا هو الغني في الدنيا والآخرة والباقي غناه أبد الآباد ، ومن حرم هذا الغنى ولو نال جميع ملك الدنيا فهو فقير ، ولذلك قيل : من جهل اللّه فهو فقير ، ولقد أجاد القائل حيث يقول :ومن ينفق الأيام في جمع ماله * مخافة فقر فالذي فعل الفقرانتهى . وهذا القدر كاف في معرفة حقائق التبتل والغنى الذي الفقر مطلوب لهما . وأما التجريد الذي هو أحد لواحق الفقر فسيأتي بيانه في آخر الفصل . ثم زاد المصنف في بيان حال كل من المشغولين بالحب وبالبغض وأكده بمثال فقال : ( بل كل ما سوى اللّه تعالى مثاله مثال الرقيب ) وهو المراقب لحال العاشق المنتظر لتتبع حركاته وسكناته ويعبر عنه بالعاذل ( الحاضر في مجلس ) من مجالس السرور واللهو . ( جمع العاشق والمعشوق فإن التفت قلب العاشق إلى حب الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره ) في ذلك المجلس ( فهو في حالة اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه ) لشغله به ، ( ولو استغرقه العشق ) بأن ملكه ظاهرا وباطنا ( لغفل عن غير المعشوق ولم يلتفت إليه ) كما هو الاستغراق ، ( فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضوره المعشوق شرك في العشق ونقص فيه ، فكذا النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص ، ولكن أحدهما أخف من الآخر ) لأن المبغض مقبل والراغب مدبر ، ( بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضا وحبا فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة ، فلا يجتمع أيضا بغض وحب في حالة واحدة ، فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن اللّه تعالى