تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
والحرية في أوقات متقاربة ، لأنها بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فلذلك لم يكن اسم الغني مطلقا عليه مع هذا الكمال إلا مجازا . واعلم أن الزهد درجة هي كمال الأبرار وصاحب هذه الحالة من المقربين ، فلا جرم صار الزهد في حقه نقصانا ، إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وهذا لأن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا ، كما أن الراغب فيها مشغول بها ، والشغل بما سوى اللّه تعالى حجاب عن اللّه تعالى ، إذ لا بعد بينك وبين اللّه تعالى حتى يكون البعد حجابا ، فإنه أقرب إليك من حبل الوريد ، وليس هو في مكان حتى تكون السماوات والأرض حجابا بينك وبينه ، فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره ، وشغلك بنفسك وشهواتك شغل بغيره ، وأنت لا تزال مشغولا بنفسك وبشهوات نفسك فكذلك لا تزال محجوبا عنه ، فالمشغول بحب نفسه مشغول عن اللّه تعالى ، والمشغول
شرح
الرق فهو محتاج إلى دوام هذا العتق والقلوب متقلبة بين الرق والحرية في أوقات متقاربة لأنها بين إصبعين من أصابع الرحمن ) يقلبها كيف شاء كما ورد ذلك في الخبر وتقدم ، ( فلذلك لم يكن اسم الغني مطلقا عليه مع هذا الكمال إلا مجازا ) ، وقد أشار إلى ذلك المصنف في المقصد الأسنى حيث قال : واللّه تعالى هو الغني وهو المغني أيضا ، ولكن الذي أغناه لا يتصوّر أن يصير باغنائه غنيا مطلقا ، فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني فلا يكون غنيا بل يستغني من غير اللّه تعالى بأن يمده اللّه تعالى بما يحتاج إليه بأن يقطع عنه أصل الحاجة ، والغني الحقيقي هو الذي لا حاجة له إلى أحد أصلا والذي يحتاج ومعه ما يحتاج إليه فهو غني بالمال وهو غاية ما يدخل في الإمكان في حق غير اللّه تعالى ، فأما فقد الحاجة فلا ، ولكن إذا لم تبق حاجة إلا للّه تعالى سمي غنيا ، ولو لم تبق أصل الحاجة لما صح قوله تعالى :وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ[ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 38 ] ولولا أنه يتصور أنه يستغني عن كل شيء سوى اللّه تعالى لما صح للّه تعالى وصف المغني . ( واعلم أن الزهد درجة هي كمال الأبرار ، وصاحب هذه الحالة من المقربين فلا جرم صار الزهد في حقه نقصانا إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين ) وهو قول أبي سعيد الخراز ، وقد تقدم . وحاصله أن هذه الحالة هي أعلى الدرجات وهي أعلى من درجة الزهد ، بل الزهد حال الأبرار وهذه حالة المقربين وهذا لأن الزاهد ( الكاره للدنيا مشغول ) عن اللّه ( بالدنيا ) أي يبغضها ، ( كما أن الراغب فيها مشغول ) عن اللّه ( بها ) أي يحبها ( والشغل بما سوى اللّه تعالى حجاب عن اللّه تعالى ، إذ لا بعد بينك وبين اللّه تعالى حتى يكون البعد حجابا فإنه ) تعالى ( أقرب إليك من حبل الوريد ) كما هو نص القرآن ، ( وليس هو في مكان حتى تكون السماوات والأرض حجابا بينك وبينه ) تعالى اللّه عن ذلك ، ( فإنه أقرب إليك منك فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره وشغلك بنفسك وبشهواتك شغل بغيره وأنت لا تزال مشغولا بنفسك وبشهوات نفسك ، فلذلك لا تزال محجوبا عنه ، فالمشغول بحب نفسه