تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
عن فقد المال ووجوده جميعا ، وليفهم من هذا الاسم معنى يفارق اسم الغني المطلق على اللّه تعالى وعلى من كثر ماله من العباد ، فإن من كثر ماله من العباد وهو يفرح به فهو فقير إلى بقاء المال في يده ، وإنما هو غني عن دخول المال في يده لا عن بقائه ، فهو إذا فقير من وجه ، وأما هذا الشخص فهو غني عن دخول المال في يده وعن بقائه في يده وعن خروجه من يده أيضا ، فإنه ليس يتأذى به ليحتاج إلى إخراجه ، وليس يفرح به ليحتاج إلى بقائه . وليس فاقدا له ليحتاج إلى الدخول في يده فغناه إلى العموم أميل ، فهو إلى الغني الذي هو وصف اللّه تعالى أقرب ، وإنما قرب العبد من اللّه تعالى بقرب الصفات لا بقرب المكان ، ولكنا لا نسمي صاحب هذه الحالة غنيا بل مستغنيا ، ليبقى الغني اسما لمن له الغنى المطلق عن كل شيء . وأما هذا العبد فإن استغنى عن المال وجودا أو عدما فلم يستغن عن أشياء أخر سواه ولم يستغن عن مدد توفيق اللّه له ليبقى استغناؤه الذي زين اللّه به قلبه ، فإن القلب المقيد بحب المال رقيق والمستغني عنه حر ، واللّه تعالى هو الذي أعتقه من هذا الرق فهو محتاج إلى دوام هذا العتق ، والقلوب متقلبة بين الرق
شرح
غني عن فقد المال ووجوده جميعا ، وليفهم من هذا الاسم معنى يفارق اسم الغني المطلق على اللّه وعلى من كثر ماله من العباد ، فإن من كثر ماله من العباد وهو يفرح به فهو فقير إلى بقاء المال في يده ، وإنما هو غني عن دخول المال في يده لا عن بقائه فهو إذا فقير من وجه ، وأما هذا الشخص فهو غني عن دخول المال في يده وعن بقائه في يده وعن خروجه من يده أيضا ، فإنه ليس يتأذى به فيحتاج إلى إخراجه وليس يفرح به ليحتاج إلى بقائه وليس فاقدا له ليحتاج إلى الدخول في يده ، فغناه إلى العموم أميل فهو إلى الغني الذي هو وصف اللّه تعالى أقرب ، وإنما قرب العبد من اللّه تعالى بقرب الصفات لا بقرب المكان ) والمراد بقرب الصفات قرب المرتبة والدرجة ، وذلك بالسعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها والتحلي بمحاسنها ، وبه يصير العبد ربانيا قريبا من الملأ الأعلى من الملائكة ، فإنهم على بساط القرب فمن ضرب إلى شبه من صفاتهم نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى الحق سبحانه وتعالى ، وطلب القرب من اللّه تعالى بالصفة أمر غامض تكاد تشمئز القلوب عن قبوله والتصديق به ، وقد تقدم تلويح إلى ذلك فيما مضى في مواضع من هذا الكتاب ، وهذا الذي ذكرناه هو الحظ الثالث من حظوظ المقربين في معاني أسماء اللّه تعالى ، ( ولكنا لا نسمي صاحب هذه الحالة غنيا بل مستغنيا ) وهو اصطلاح من المصنف رحمه اللّه تعالى انفرد به عمن تقدمه من الشيوخ ، وذلك ( ليبقى الغني اسما لمن له الغنى المطلق عن كل شيء وأما هذا العبد فإن كان استغنى عن المال وجودا وعدما فلم يستغن عن أشياء أخر سواه ، ولم يستغن عن مدد توفيق اللّه له ليبقى استغناؤه الذي زين اللّه به قلبه ، فإن القلب المقيد بحب المال رقيق ) أي بمنزلته ( والمستغني عنه حر ) أي بمنزلته ، ( واللّه تعالى هو الذي أعتقه عن هذا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 524 | مرتضى الزبيدي