بلطائف السحر والاحتيال ، وقد نصبت حبائلها في مدارج الرجال ، فهي تقتنصهم بضروب المكر والاغتيال ، ثم لا تجتزي معهم بالخلف في مواعيد الوصال ، بل تقيدهم مع قطع الوصال بالسلاسل والأغلال ، وتبليهم بأنواع البلايا والأنكال ، فلما انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار والأفعال ، زهدوا فيها زهد المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال ، وأقبلوا بكنه هممهم على حضرة الجلال ، واثقين منها بوصال ليس دونه انفصال ، ومشاهدة أبدية لا يعتريها فناء ولا زوال ، والصلاة على سيدنا محمد سيد الأنبياء وعلى آله خير آل .
وأما بعد ؛ فإن الدنيا عدوّة للّه عز وجل بغرورها ضل من ضل ، وبمكرها زل من
شرح
حقيقة لها ( والاحتيال ) افتعال من الحيلة وهي ما يتوصل به إلى حالة ما من خفية وكثر استعماله فيما في تعاطيه خبث ، ( وقد نصبت حبائلها ) جمع حبيلة وهي الأحبولة التي ينصبها الصائد ( في مدارج الرجال ) أي في مسالكهم حيث يدرجون ( فهي تقتنصهم بضروب ) أي أنواع ( المكر ) أي الخداع ( والاغتيال ) افتعال من الغيلة بالكسر وهو الأخذ على غرة ، ( ثم لا تجزي ) أي لا تكتفي ( معهم بالخلف في مواعيد الوصال ) أي تعدهم بوصالها وتمنيهم ثم تخلف موعدها معهم ، ويا ليتها لو اكتفت على هذا القدر ، لا ( بل تقيدهم مع قطع ) حبال ( الوصال بالسلاسل والأغلال ) جمع الغل بالضم وهو طوق من حديث يجعل في العنق ، ( وتبليهم بأنواع البلايا والأنكال ) جمع نكل بالكسر القيد الشديد أو جمع نكلة بالضم ما نكلت به غيرك كائنا ما كان ، ( فلما انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار ) مما تبطنه ( والأفعال ) مما تظهره ( زهدوا فيها ) أي رغبوا عنها . يقال : زهد في الشيء زهدا وزهادة إذا رغب عنه ( زهد المبغض لها ) العارف بقبائحها ، ( فتركوها ) ولم يلتفتوا إليها ( وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال وأقبلوا بكنه هممهم ) أي خالصها ( على حضرة الجلال ) وهي حضرة الحق سبحانه باعتبار احتجابه عنا بعزته ، ( واثقين منها بوصال ) دائم ( ليس دونه انفصال ) أي انقطاع ، ( ومشاهدة أبدية ) أي مطالعة لصورة الجمال بصفة الدوام ( لا يعتريها فناء ولا زوال ) أي نقصان عن حدها ، وإلّا فقد يقع التفات إلى ما ارتقى عنه من مقام فيكون غينا على القلب ، ( والصلاة ) الكاملة ( على سيدنا ) ومولانا ( محمد ) أبي القاسم ( وعلى آله ) وصحبه ( خير ) صحب ( وآل ) وسلم تسليما كثيرا كثيرا .
( أما بعد ؛ فإن الدنيا عدوة للّه عز وجل ) وعدوة لأوليائه كما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى بعض ولاته وقد تقدم في كتاب ذم الدنيا ، ( بغرورها ضلّ من ضلّ ) عن الصراط المستقيم ، ( وبمكرها ) أي خداعها ( زلّ من زلّ ) عن المنهج القويم ( فحبها رأس الخطايا والسيئات ) كما ورد في الخبر « حب الدنيا رأس كل خطيئة » ويروى ذلك أيضا من قول عيسى عليه السلام وقد