وعصم قلبه بنور الهداية عن ورطات الضلال ، وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدو والآصال ، ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته بنور العبرة حتى لاحظ بضيائه حضرة الجلال ، فلاح له من البهجة والبهاء والكمال ، ما استقبح دون مبادئ اشراقه كل حسن وجمال ، واستثقل كل ما صرفه عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال ، وتمثل له ظاهر الدنيا في صورة امرأة جميلة تميس وتختال ، وانكشف له باطنها عن عجوز شوهاء عجنت من طينة الخزي وضربت في قالب النكال ، وهي متلفقة بجلبابها لتخفي قبائح أسرارها
شرح
والمعاني التي خص بها ، وكانتصاب القامة الدال على استيلائه على كل ما في العالم ( بأحسن تقويم وأتم اعتدال ) وإليه الإشارة بقوله تعالى :لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ التين : 4 ] وتقويم الشيء تثقيفه والاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف وكل ما تناسب فقد اعتدل ، ( وعظم قلبه بنور الهداية ) أي حفظه به ( عن ورطات الضلال ) أي من الوقوع فيها كما قال تعالى :أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ[ الزمر : 22 ] والورطات محركة جمع الورطة بسكون الراء اسم لما ضاق وشق ، وقد يعبر بها عن الهلاك والأصل فيها الوحل يقع فيه الغنم فلا يقدر على التخلص ، وقيل : أصلها أرض مطمئنة لا طريق فيها يرشد إلى الخلاص ، والضلال العدول عن الطريق المستقيم عمدا أو سهوا قليلا أو كثيرا . ( وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدو والآصال ) وهو إيتاء الصلوات الخمس ، فإنه طاعة المولى عز وجل وخدمته ، ومن سهل له فيه فقد أذن في قرع باب خدمته ، ( ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته ) بأن لم يشرك فيها أحدا سواه ( بنور العبرة ) اسم من الاعتبار ، ( حتى لاحظ بضيائه حضرة الجلال ) ، فالحق تعالى بذاته نور لا يدرك ويدرك به ومن حيث أسماؤه نور يدرك فإذا تجلى للقلب من حيث كونه يدرك به شاهدت البصيرة المنوّرة الاغيار بنوره ، فإن الأنوار الأسمائية من حيث تعلقها بالكون مخالطة بسواه ، ( فلاح له من البهجة ) أي حسن اللون وظهور السرور ( والبهاء ) أي الجمال وحسن الهيئة ( والكمال ) أي الانتهاء إلى غاية ليس وراءها مزيد ( ما استقبح دون مبادئ إشراقه ) أي فيما يشرق من أنواره في أوائله ( كل حسن وجمال ) صار مشاهدا له في الظاهر ، ( واستثقل كل ما صرفه ) أي منعه وحجبه ( عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال ) أي عده ثقيلا إلى الغاية كما هو شأن كل صارف عن الشهود ، ( وتمثل له ظاهر الدنيا ) فيما يراه بعين البصر ( في صورة امرأة جميلة ) حسناء ( تميس ) في بردها ( وتختال ) أي تعجب بنفسها مرحا ، ( وانكشف له باطنها ) بعين البصيرة ( عن عجوز شوهاء ) قبيحة الخلقة هتماء ( عجنت من طينة الخزي ) أي الذل والانكسار والهوان ، ( وضربت في قالب النكال ) أي طبعت عليه والقالب بفتح اللام ، ومنهم من يكسرها والنكال العقوبة الغليظة ( وهي متلفعة بجلبابها ) يقال : تلفعت المرأة بمرطها مثل تلحفت زنة ومعنى والتفعت كذلك ( لتخفي قبائح أسرارها بلطائف السحر ) أي الخداع والتخييلات التي لا