بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي تسبح له الرمال ، وتسجد له الظلال ، وتتدكدك من هيبته الجبال .
خلق الإنسان من الطين اللازب والصلصال ، وزين صورته بأحسن تقويم وأتم اعتدال ،
شرح
بسم الله الرحمن الرحيم
( الحمد للّه الذي تسبّح له الرمال ) جمع الرمل معروف والتسبيح تنزيه اللّه تعالى وأصله المر السريع في العبادة ، وجعل ذلك في فعل الخير كما جعل الأبعاد في الشر فقيل : أبعده اللّه وجعل التسبيح عاما في العبادات قولا كان أو فعلا أو نية وقوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[ الإسراء : 44 ] كقوله :وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ[ الرعد : 15 ] وإليه أشار المصنف بقوله : ( وتسجد له الظلال ) جمع الظل هو الفيء ، وقيل : أعم من الفيء ويجمع أيضا على أظلال وظلول وأظلة والأخير جمع الجمع ، وهذا يقتضي أن يكون تسبيحا على الحقيقة وسجودا له على وجه لا نفقهه بدلالة قوله :وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْودلالة قوله :وَمَنْ فِيهِنَّبعد ذكر السماوات والأرض ، ولا يصح أن يكوت تقديرهيُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ[ النور : 41 ] ويَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ[ الحج : 18 ] لأن هذا مما نفقهه ، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره ثم يعطف عليه بقولهوَمَنْ فِيهِنَّوالأشياء تسبح وتسجد بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار ، ولا خلاف في أن السماوات والأرض والدواب مسبحات بالتسخير من حيث أن أحوالها تدل على حكمة اللّه تعالى ، وإنما الخلاف فيوَالْأَرْضُهل تسبح باختيار والآية تقتضي ذلك وقوله تعالى :يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ[ النحل : 48 ] أي انشاؤه يدل على وحدانية اللّه وينبئ عن حكمته . وقال الحسن في قوله تعالى :وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ[ الرعد : 15 ] أما ظلك فيسجد ، وأما أنت فتفكر به ( وتتدكدك من هيبته الجبال ) أي تندق وتنهدم حتى تصير بمنزلة الأرض اللينة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[ البقرة : 74 ] ( خلق الإنسان ) أي آدم عليه السلام وبنوه ( من الطين اللازب ) أي اللاصق تقول منه لزب لزوبا ، وهو كما قال اللّه تعالى :إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ[ الصافات : 11 ] ( والصلصال ) : وهو الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف ، فإذا طبخ بالنار فهو الفخار ، وقيل : هو الطين المنتن من قولهم : صل اللحم إذا تغيرت رائحته ، وإلى كل منهما الإشارة بقوله تعالى :خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ[ الرحمن : 14 ] وقوله تعالى :وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ[ الحجر : 26 ] وقيل : صلصال أصله صلال فقلبت إحدى اللامين صادا ، ( وزين صورته ) وهي ما تنتقش به الأعيان وتتميز به عن غيرها ، وذلك ضربان :
أحدهما : محسوس تدركه الخاصة فقط كالصورة التي اختص بها الإنسان من العقل والفهم والرؤية