تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
شرح
قلبه ويجري عنه وذلك من النقصان الذي يعرفه أهل التمام لأن عين الوجه من الملك للدنيا وعين القلب من الملكوت للآخرة فيمنعه ما ينفعه عنده ويعطيه ما يضره به ويفتتن عند الخلق كمن أعطي الصف المأكول . وقال مجاهد : إن الرجل لتبكي عيناه وقلبه أقسى من الجماد . وقال مالك بن دينار : قرأت في التوراة إذا استكمل العبد النفاق ملك عينه فيبكي كما شاء . وسئل أبو محمد سهل : هل يعطي اللّه أحدا من المؤمنين من الخوف زنة مثقال ؟ فقال : من المؤمنين من يعطى من الخوف وزن جبل أحد . فقيل : فكيف يكون حالهم يأكلون وينكحون وينامون ؟ قال : نعم يفعلون ذلك والمشاهدة لا تفارقهم . قيل له : فأين الخوف ؟ قال : يحمله حجاب القدرة بلطيف الحكمة ويستتر القلب تحت الحجاب في التصريف بصفات البشرية ، فيكون مثل هذا العبد مثل المرسلين . وقال أيضا : الخوف مباينة النهي ، والخشية الورع والاشفاق وهو الزهد . وكان يقول : دخول الخوف على الجاهل يدعوه إلى العلم ، ودخوله على العالم يدعوه إلى الزهد ، ودخوله على العامل يدعوه إلى الإخلاص ، فقد صار الخوف يصلح للكافة إذ دخوله على العام يخرجه عن الحرام ودخوله على الخاص يدخله في الورع والزهد . وقال أيضا : الاخلاص فريضة لا تنال إلا بالخوف ، ولا ينال الخوف إلا بالزهد . وقال : إنه لا يصح علم الرجاء إلا للخائف يعني لتعتدل شهادتاه بتقدمة الخوف فيكون بشهادته قائما ، وإخلاء قلبه من الخوف وانفراده بحال الرجاء يخرجه إلى الأمن والاغترار . وكان يقول : الخوف ذكر والمحبة أنثى ألا ترى أن أكثر الناس يدعون المحبة . يريد بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى وهو كما قال : لأن الخوف حال العلماء ، والرجاء وصف العمال ، ففضله عليه كفضل العلم على العمل . وكان الحسن يقول : ما عبد اللّه بشيء أفضل من طول الحزن والخوف . وقال بعض السلف : حسبك من الخوف اجتناب المعاصي . وكان الثوري يقول : ما أحب أني عرفت الأمر حق معرفته إذا لطاش عقلي . ومما يدلك على أن الخوف اسم لحقيقة العلم باللّه تعالى في إحدى القراءتين من قراءة أبيّ أو عبد اللّه في معنى قوله تعالى :فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً[ الكهف : 80 ] فخاف ربك قال الفراء : معناه فعلم ربك . وقال : الخوف من أسماء العلم ، ومن معنى هذا أيضا سمي الحياء بمعنى الخشية وهي من الخوف ، فجعل الحياء اسم الخشية ومن ذلك فسر قوله تعالى :وَتَخْشَى النَّاسَ[ الأحزاب : 37 ] أي تستحييهم . ومما يدل على باطن الخوف كثرة الاستغفار في كل حال ، والخوف من يسير الأعمال . ومن نقل عنه المخافة من حقير الأمر الذي لعله واللّه أعلم زنة ذرة من الشر أكثر من أن يحصى ، كما روي أن رجلا قال لعطاء السليمي : ما هذا الخوف كله ؟ قال : لعظيم ، فقلت : وما هو ؟ قال اصطدت حماما لجارتي منذ أربعين سنة فأنا أبكي منذ ذلك أما أني قد تصدقت بثمنه مرات . وقال ضيغم الراسبي : ذنب أذنبته أنا أبكي عليه منذ أربعين سنة ، وذلك أنه زارني أخ لي فاشتريت سمكا بدانق فأراد أن يغسل يده فأخذت قطعة طين من حائط جاري فغسلت به يده ، وقال آخر : تكلمت بكلمة أنا أبكي عليها منذ كذا . قيل : وما هي ؟ قال : رأيت درهما في يد رجل