تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
وأشكالها الموافقة لمعانيها ، فترى بعينك العقارب والحيات وقد أحدقت بك في قبرك ، وإنما هي صفاتك الحاضرة الآن قد انكشف لك صورها ، فإن أردت أن تقتلها وتقهرها وأنت قادر عليها قبل الموت فافعل ، وإلا فوطّن نفسك على لدغها ونهشها لصميم قلبك فضلا عن ظاهر بشرتك ، والسلام .
شرح
عاينتها وقد تمثلت لك بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها فترى بعينك العقارب والحيات وقد أحدقت بك ) أي أحاطت ( في قبرك ، وإنما هي صفاتك الحاضرة الآن قد انكشف لك صورتها ، فإن أردت أن تقتلها وتقهرها وأنت قادر عليها ) في الدنيا ( قبل الموت فافعل وإلّا فوطّن نفسك على لدغها ونهشها لصميم قلبك ) أي باطنه ، ( فضلا عن ظاهر بشرتك وجسمك والسلام ) وبه تم كتاب الرجاء والخوف . ولنذكر بعض ما يتعلق بمقام الخوف مما ذكره أبو طالب المكي في القوت قال : الخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان وهو علم لوجود الإيقان وهو سبب اجتناب كل نهي ومفتاح كل أمر ، وليس يحرق شهوات النفوس ويزيل آثارها إلا مقام الخوف ، وقد قال ذو النون المصري : لا يسقى المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه . وقال سهل : كمال الإيمان بالعلم وكمال العلم بالخوف وقال مرة : العلم كسب الإيمان والخوف كسب المعرفة ، وكل مؤمن باللّه خائف ولكن خوفه على قدر قربه ، وشكا واعظ إلى بعض الحكماء : ألا ترى إلى هؤلاء أعظهم واذكر فلا يرقون فقال : كيف ينتفع بالموعظة من لم يكن في قلبه من اللّه مخافة ، وقد قال اللّه تعالى في تصديق ذلكسَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى[ الأعلى : 10 ، 11 ] أي يتجنب التذكرة الشقي فجعل من عدم الخوف شقيا وحرمه التذكرة ، فخوّف عموم المؤمنين بظاهر القلب عن ظاهر العلم بالعقل ، وخوف خصوصهم وهم الموقنون بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد ، فأما خوف اليقين فهو للصديقين من شهداء العارفين عن مشاهدة ما أمر به من الصفات المخوفة ، وقد جاء في الخبر « إن العبد إذا أدخل في قبره لم يبق شيء كان يخافه دون اللّه تعالى الأمثل له يفزعه ويرعبه إلى يوم القيامة » . فأول خوف اليقين المحاسبة للنفس في كل وقت والمراقبة للرقيب في كل حين والورع عن الاقدام على الشبهات من كل شيء من العلوم بغير يقين بها ، ومن الأعمال بغير فقه فيها ، ثم سجن اللسان وخزن الكلام أن لا يدخل في دين اللّه ولا في العلم ما لم يشرعه اللّه في كتابه أو يذكره الرسول في سنته أو لم ينطق به الأئمة من السلف في سيرهم مما لم يكن أصله موجودا في الكتاب والسنّة وتسميته واضحة في العلم فيجتنب ذلك كله ولا يقف ما ليس له به علم خوفا من المسألة عنه ولا يدخل فيه لدقيق هوى يدخل عليه ولا لعظيم حظ دنيا يدخل فيه ، وأن ينصح نفسه للّه لأنها أولى الخلق ثم ينصح الخلق في اللّه . وثمرة الخوف العلم باللّه والحياء من اللّه وهو أعلى مثوبات أهل المزيد ، وأكثر ما يقع سوء الخاتمة بثلاثة طوائف : أهل البدع والزيغ في الدين لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول فأول آية تظهر لهم من قدرة اللّه تعالى أن يطيح عقله عند معاينتها فيذهب إيمانه ولا يثبت لشهادتهما كما تحترق الفتيلة فيسقط المصباح .