شرح
الطبقة الثانية : أهل الكبر والانكار لآيات اللّه وكراماته لأوليائه في الحياة الدنيا لأنهم لم يكن لهم يقين يحمل القدرة ويمده الإيمان ، فيعتورهم الشك ويقوى عليهم لفقد اليقين .
والطبقة الثالثة : ثلاثة أصناف متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة ، وجميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة ، لأن سوء الختم على مقامات أيضا ، كمقامات اليقين والشرك في عمر الحياة . منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه وعمله ناظرا ، والفاسق المعلن ، والمقر المدمن تتصل بهم المعاصي إلى آخر العمر ويدوم تقليبهم فيها إلى كشف الغطاء ، فإذا رأوا الآيات تابوا إلى اللّه بقلوبهم ، وقد انقطعت أعمال الجوارح فليس يتأثر منهم فلا تقبل توبتهم ولا تقال عثرتهم ولا ترحم عبرتهم ، وقد كان عبد الواحد بن زيد يقول : ما صدق خائف قط ظن أنه لا يدخل النار وما ظن أنه يدخل النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا ، وكان سهل يقول : خوف التعظيم من ميراث خوف السابقة . وقال زهير بن نعيم البابي : ما أكثر همي ذنوبي إنما أخاف ما هو أعظم علي من الذنوب أن أسلب التوحيد وأموت على غيره . وروى ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال : كان رجل يعتزل الناس إنما هو وحده ، فجاءه أبو الدرداء فقال : أنشدك اللّه ما يحملك على أن تعتزل الناس ؟ قال : إني أخشى أن يسلب ديني وأنا لا أشعر . قال : أترى في الحي مائة يخافون ما تخاف فلم يزل ينقص حتى بلغ عشرة ؟ قال : فحدثت بذلك رجلا من أهل الشام فقال : ذلك شرحبيل بن السمط هو من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وكان سفيان الثوري يلتفت إلى حماد بن سلمة فيقول : يا أبا سلمة ترجو لمثلي العفو أو يغفر لمثلي ؟ فيقول له حماد : نعم أرجو له . وكان بعض السلف يقول : لو أني أعلم أنه يختم له بالسعادة كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس في حياتي اجعله في سبيل اللّه . وقال بعض العارفين : إن اللّه تعالى إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يشكره عليها ولم يحسن معاملته بها لم يسلبه إياها ، بل أبقاها عليه ليحاسبه على قدرها ، ولكن يرفع منه البركة ويقطع عنه المزيد ، فمثل عيش هذا في الدنيا كمثل البخيل الغني يعيش عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء ، كذلك العالم البطال يحيا حياة الجهال ويحاسب غدا محاسبة العلماء ، ومن أعلى المخاوف خوف سلب الإيمان الذي هو عنده وديعة وفي خزانة المؤمن يظهره كيف شاء ويبديه ويعيده إلى الغيب متى شاء ، ويخفيه ذلك من صفة المكر وحكم الماكر وكثافة الستر ولطف الساتر لا تدري أهبة وهبه لك فيبقيه عليك بكرمه وفضله أم وديعة وعارية أودعك إياه وأعارك ، فيأخذه إذا لا محالة بحكمته وعدله ، وقد أخفى عنك حقيقة ذلك واستأثر بعاقبته . وكان يحيى يقول :
ينبغي أن يشغلك خوف قوت تأكله لا تدري أحلال هو أم حرام عن تمني الفضول ، وينبغي أن يشغلك خوف ذهاب الإيمان عن تمني درجات الأبدال ، فإذا لم تعطها استقللت ما قد أعطيت وأنت قد أعطيت خير شيء في خزائن اللّه الإيمان به ، ولعمري أن الخوف على فقد الإيمان علامة الغبطة بوجوده . وقال بعض العارفين : إنما قطع بالقوم عند الوصول . وقال آخر : واخطراه ومن المخاوف خوف قطع المزيد من علم الإيمان مع تبقية المعرفة المبتدأة تكون مستدرجا بها ممنوعا من المزيد ، وقد لا يكون بها مدرجا إلا أن توقف المزيد عنه هو لعلة واقفة من الهوى فيه ، وقد يقسي