تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
الذي حكي عنه عيسى بن مالك الخولاني ، وكان من خيار العباد أنه رآه على بيت المقدس واقفا كهيئة المحزون من شدة الوله ما يكاد يرقأ دمعه من كثرة البكاء ، فقال عيسى : فما رأيته هالني منظره فقلت : أيها الراهب أوصني بوصية احفظها عنك ، فقال : يا أخي بما ذا أوصيك ، إن استطعت أن تكون بمنزلة رجل قد احتوشته السباع والهوام فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فتفترسه السباع أو يسهو فتنهشه الهوام فهو مذعور القلب وجل ، فهو في المخافة ليله وإن أمن المغترون ، وفي الحزن نهاره وإن فرح البطالون . ثم ولى وتركني فقلت : لو زدتني شيئا عسى ينفعني ؟ فقال الظمآن يجزيه من الماء أيسره ، وقد صدق فإن القلب الصافي يحركه أدنى مخافة ، والقلب الجامد تنبو عنه كل المواعظ ، وما ذكر من تقديره انه احتوشته السباع والهوام فلا ينبغي أن يظن أنه تقدير بل هو تحقيق ، فإنك لو شاهدت بنور البصيرة باطنك لرأيته مشحونا بأصناف السباع وأنواع الهوام مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها ، وهي التي لا تزال تفترسك وتنهشك إن غفلت عنها لحظة ، إلا أنك محجوب العين عن مشاهدتها ؛ فإذا انكشف الغطاء ووضعت في قبرك عاينتها وقد تمثلت لك بصورها
شرح
عنه عيسى بن مالك الخولاني ) منسوب إلى خولان بالفتح واسمه أنكل قبيلة من قضاعة نزلت الشام ، ( وكان من خيار العباد أنه رآه على باب بيت المقدس واقفا ) على قدميه ( كهيئة المحزون من شدة الوله ما يكاد يرقأ دمعه من كثرة البكاء فقال عيسى لما رأيته ) على الوصف المذكور : ( هالني منظره ) أي أفزعني ( فقلت : أيها الراهب أوصني بوصية أحفظها عنك . فقال : يا أخي بما ذا أوصيك إن استطعت أن تكون بمنزلة رجل قد احتوشته السباع والهوام ) أي تناولته من كل طرف ، ( فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فتفترسه السباع أو يسهو فتنهشه الهوام فهو مذعور القلب وجل فهو في المخافة في ليله وإن أمن المغترون ، وفي الحزن في نهاره وإن فرح البطالون ، ثم ولّى ) ذاهبا ( وتركني فقلت ) له . ( لو زدتني شيئا ) من هذا الجنس ( عسى ينفعني . فقال : الظمآن يجزيه من الماء شربة ) ولو قليلة وقد صدق الراهب فيما قاله ، ( فإن القلب الصافي ) الواعي لما يلقى إليه ( يحركه أدنى مخافة ) ويكفيه ، ( والقلب الجامد ) الكدر ( ينبوعنه كل المواعظ ) فلا يقبلها ( وما ذكره من تقديره أنه احتوشته السباع والهوام ، فلا ينبغي أن يظن أنه تقدير بل هو تحقيق ، فإنك لو شاهدت بنور البصيرة باطنك لرأيته مشحونا بأصناف السباع وأنواع الهوام ) المختلفة الأوصاف والأشكال ( مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها وهي التي لا تزال تفترسك وتنهشك إن غفلت عنها لحظة إلا أنك محجوب العين عن مشاهدتها ) فلا تدركها ، ( فإذا انكشف الغطاء ) وارتفع الحجاب ( ووضعت في قبرك
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 510 | مرتضى الزبيدي