تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
فقلت : يا أخي ما الذي أرى بك ؟ فقال : يا أبا العباس ذلك من قولك لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلودين إما في الجنة أو في النار . قال : ثم مات رحمه اللّه فرأيته في المنام فقلت : يا أخي ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي ورحمني وأدخلني الجنة قلت بما ذا ؟ قال بالكلمة . فهذه مخاوف الأنبياء والأولياء والعلماء والصالحين ، ونحن أجدر بالخوف منهم ، لكن ليس الخوف بكثرة الذنوب بل بصفاء القلوب وكمال المعرفة ، وإلا فليس أمننا لقلة ذنوبنا وكثرة طاعاتنا ، بل قادتنا شهوتنا وغلبت علينا شقوتنا وصدّتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا ، فلا قرب الرحيل ينبهنا ، ولا كثرة الذنوب تحركنا ، ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوّفنا ، ولا خطر الخاتمة يزعجنا ، فنسأل اللّه تعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا ، إن كان تحريك اللسان بمجرّد السؤال دون الاستعداد ينفعنا ، ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا البحار والبراري وخاطرنا ، وإن أردنا طلب رتبة العلم تفقهنا وتعبنا في حفظه وتكراره وسهرنا ،
شرح
فأخبرت أنه مريض يعاد فأتيته أعوده فقلت له : يا أخي ما الذي أرى بك ؟ فقال : يا أبا العباس ذلك من قولك لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلودين إما في الجنة أو في النار ثم مات رحمه اللّه ، فرأيته في المنام فقلت : يا أخي ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي ورحمني وأدخلني الجنة . قلت : بما ذا ؟ قال : بالكلمة ) أي التي ذكرت ، وقد بشر العلاء بن زياد العدوي بالجنة وكان من العباد فغلق عليه بابه سبعا ولم يذق طعاما وجعل يبكي ويقول : أنا في قصة طويلة حتى دخل عليه الحسن فجعل يعذله في شدة خوفه وكثرة بكائه وقال : يا أخي من أهل الجنة إن شاء اللّه تعالى أقاتل نفسك فما ظنك برجل يعذله الحسن في الخوف وقد كان من فوقهم من علية الصحابة يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرا وكانوا قد بشروا بالجنة يقينا في غير خبر كما تقدم قريبا من أقوالهم الدالة على ذلك . ( فهذه مخاوف الأنبياء والأولياء والعلماء ) والصالحين ( ونحن أجدر بالخوف منهم ) و ( لكن ليس الخوف ) يكون ( بكثرة الذنوب ) ولو كان كذلك لكنا أكثر خوفا منهم ، ( بل ) إنما يكون ( بصفاء القلوب وكمال المعرفة ) وشدة التعظيم للّه عز وجل ( وإلّا فليس أمننا لقلة ذنوبنا وكثرة طاعتنا بل قادتنا شهوتنا وغلبت علينا شقوتنا وصدتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتنا ) فعميت بصائرنا ، ( فلا قرب الرحيل ينبهنا ، ولا كثرة الذنوب تحركنا ، ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوّفنا ، ولا خطر الخاتمة يزعجنا ) ، ولا وعظ الواعظين يؤثر فينا . ( فنسأل اللّه تعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا ) مما فرطنا فيه ، ( فيصلحنا إن كان تحريك اللسان بمجرد السؤال دون الاستعداد ) والتزود للمعاد ( ينفعنا ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا البحار والبراري ) والقفار ( وخاطرنا ) بأنفسنا وأموالنا ، ( وإن أردنا رتبة العلم تفقهنا وتعبنا في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 508 | مرتضى الزبيدي