تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الْمُتَوَكِّلُونَ
[ إبراهيم : 12 ] وقسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مرة مالا ، فقال بعض الأعراب من المسلمين : هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه فأخبر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاحمرّت وجنتاه ثم قال : « يرحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » . وقال تعالى :
وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
[ الأحزاب : 48 ] وقال تعالى :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
[ المزمل : 10 ] وقال تعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
[ الحجر : 97 ، 98 ] الآية . وقال تعالى :
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[ آل عمران : 186 ] أي تصبروا عن المكافأة . ولذلك مدح اللّه تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
شرح
آذَيْتُمُوناالآية . ( وقسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مرة مالا فقال بعض الأعراب من المسلمين : هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه فأخبر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاحمرت وجنتاه ثم قال : « رحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ) قال ذلك يوم حنين إذ أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن مائة من الإبل وأعطى غيرهم أقل من ذلك فقال رجل : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه فقاله صلّى اللّه عليه وسلم رواه أحمد والشيخان من حديث ابن مسعود وقد تقدم ( وقال تعالى ) لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم : (وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِوقال تعالى :وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا) بعد قوله :فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًاففيهما أن مقام التوكل لا يثبت حتى يصبر على الأذى وهو أول مقام الرضا . ( وقال ) تعالى :( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَالآية . وقال ) تعالى :لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ففي أول الآية إشارة إلى المقام الثاني من مقامات الرضا وهو صبر النفس على أحكام البلاء ، وفي السياق الذي يليه إشارة إلى أول مقام الرضا وهو الصبر على الأذى وفي آخره قرن التقوى بالصبر . والتقوى جمع كل خير كما أن الصبر داخل في كل خير وبرّ ، فمن جمعهما أوتي عزائم الأمور وكان من المحسنين ( أي إن تصبروا عن ) الأذى ( والمكافأة ) وتتقوا عند الابتلاء والمكاره ، وكذلك قوله تعالى :إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[ يوسف : 90 ] ( ولذلك مدح اللّه تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال تعالى :وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) وقال تعالى :وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ[ الشورى : 41 ] الآية ثم قال :وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[ الشورى : 43 ] فالأول عني به المكافأة والإنتصار بالحق من العدل والعدل حسن ، والثاني : هو الصبر والعفو من الإحسان والفضل وهو أحسن ومن