فأما الصبر على بلاء اللّه تعالى فلا يقدر عليه إلا الأنبياء لأنه بضاعة الصديقين فإن ذلك شديد على النفس . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أسألك من اليقين ما تهوّن علي به مصائب الدنيا » ، فهذا صبر مستنده حسن اليقين .
شرح
( فأما الصبر على بلاء اللّه تعالى فلا يقدر عليه إلا الأنبياء لأنه بضاعة الصديقين فإن ذلك شديد على النفس ) ، وذكر صاحب القوت عقب قول ابن عباس السابق ما نصه : وهذا يحتاج إلى تفسير لم يقصد ابن عباس أن الصبر على المصيبة أفضل من الصبر على المحارم ومن الصبر على أداء الفرائض ، لأن الصبر في ذلك من مزيد أحوال المسلمين والصبر على المصيبة من مقامات اليقين ، فإنما فضل المقام في اليقين على المقام في الإسلام ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم إني أسألك من اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا » ) رواه الترمذي والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عمر وحسنه الترمذي ، وقد تقدم في كتاب الدعوات ، ( فهذا صبر مستنده حسن اليقين ) . وأحسن الناس صبرا عند المصائب أكثرهم يقينا ، وأكثر الناس جزعا وسخطا في المصائب أقلهم يقينا وأكثرهم حبا للدنيا . ومثله ما رواه سلمة بن وردان عن أنس رفعه : « من ترك المراء وهو محق بنى اللّه له في أعلى الجنة ، ومن ترك المراء وهو مبطل بنى له في وسط الجنة ، ومن ترك الكذب بنى له في ربض الجنة » . فقد علمت أن ترك الكذب والمراء مبطلا فرض وواجب ، فينبغي أن يكون أفضل ولكن المعنى فيه أن الكذب باطل يتركه المسلمون والمراء والعبد محق صادق ، ثم لا يماري زهدا في التظاهر ورغبة في الصمت والسلامة فلا يصبر على هذا إلا المتقون وهم خصوص المؤمنين ، فمقامه من اليقين والزهد وإيثار الصمت والخمول على الكلام والشهرة أفضل اليقين ، فصار هذا الموقن مقامه أفضل من عموم المؤمنين الذي يتركون الكذب والمماراة وإن كان أفرض وأوجب ، فهذا بيان ذلك ومعناه . ويقال : من علامة التسليم للقضاء حسن الصبر والرضا وهو مقام العارفين ، فأما إشتراط الصبر في المصيبة الأولى فكأنه يقال كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر ، فاشترط الثواب لها عند أول كبرها قبل صغرها ، وفي صدقة القلب أول ما يبعثه الشيء فينظر إلى نظر اللّه عز وجل فيستحي فيحسن الصبر كما قال تعالى :فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا[ الطور : 48 ] وهذا مقام المتوكلين على اللّه تعالى . كل هذا السياق في كتاب القوت .
وقال بعض من اختصر الإحياء وزاد عليه ما نصه : أما آداب الصبر فقد تقدم أن حقيقة الصبر ثبات باعث الدين في محاربة باعث الهوى ومقابلته ، فليبدأ في ذلك بالأهم فالأهم فالمجاهدة الباطنة كالمجاهدة الظاهرة . قال اللّه تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ[ التوبة : 123 ] فالبداية بترك المحظورات وهو واجب ، ثم بالمكروهات وهو مستحب ، ثم بفضول المباحات الشاغلة عن رب الأرض والسماوات وهي قربة .