تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
المخلد . والثانية وهي دونها أن يغلب على قلبه عند الموت حب أمر من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها . فيتمثل ذلك في قلبه ويستغرقه حتى لا يبقى في تلك الحالة متسع لغيره فيتفق قبض روحه في تلك الحال فيكون استغراق قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا وصارفا وجهه إليها . ومهما انصرف الوجه عن اللّه تعالى حصل الحجاب . ومهما حصل الحجاب نزل العذاب إذ نار اللّه الموقدة لا تأخذ إلا المحجوبين عنه ؛ فأما المؤمن السليم قلبه عن حب الدنيا المصروف همه إلى اللّه تعالى فتقول له النار : جز يا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي ، فمهما اتفق قبض الروح في حالة غلبة حب الدنيا ، فالأمر مخطر ، لأن المرء يموت على ما عاش عليه ، ولا يمكن اكتساب صفة أخرى للقلب بعد الموت تضاد الصفة الغالبة عليه ، إذ لا تصرف في القلوب إلا بأعمال الجوارح وقد بطلت الجوارح بالموت فبطلت الأعمال ، فلا مطمع في عمل ولا مطمع في رجوع إلى الدنيا ليتدارك ، وعند ذلك تعظم الحسرة ، إلا أن أصل الإيمان وحب اللّه تعالى إذا كان قد رسخ في القلب مدة طويلة وتأكد ذلك بالأعمال الصالحة ، فإنه يمحو عن القلب هذه الحالة التي عرضت له
شرح
يقتضي البعد الدائم والعذاب المخلد ) الملازم . ( و ) الرتبة ( الثانية وهي دونها ) أي دون الأولى ( أن يغلب على قلبه عند الموت حب أمز من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها فيتمثل ذلك في قلبه ويستغرقه ) أي يغمره ( حتى لا يبقى في تلك الحالة متسع لغيره ، فيتفق قبض روحه في تلك الحالة فيكون استغراق قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا وصارفا وجهه إليها ، ومهما انصرف الوجه عن اللّه تعالى حصل الحجاب ، ومهما حصل الحجاب ) عن اللّه تعالى ( نزل العذاب ) لا محالة ( إذ نار اللّه الموقدة ) المشار إليها في الآية ( لا تأخذ إلا المحجوبين عنه ، فأما المؤمن السليم قلبه عن حب الدنيا المصروف إلى اللّه تعالى ) المشار إليه في قوله تعالى :يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[ الشعراء : 88 ، 89 ] أي سليم عن حب الدنيا ( تقول له النار : جز يا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي ) روي ذلك من حديث يعلى بن منبه . تقول النار للمؤمن : يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي . رواه الطبراني وأبو نعيم والبيهقي والخطيب وضعفه البيهقي ، ورواه الحكيم في النوادر بلفظ : ان النار تقول ( فمهما اتفق قبض الروح في حالة غلبة حب الدنيا فإن الأمر مخطر لأن المرء يموت على ما عاش عليه ) كما أنه يبعث على ما مات عليه ، ( ولا يمكن اكتساب صفة أخرى للقلب بعد الموت تضاد الصفة الغالبة عليه إذ لا تصرف في القلوب إلا بأعمال الجوارح ، وقد بطلت الجوارح بالموت فبطلت الأعمال فلا مطمع في عمل ولا مطمع في رجوع إلى الدنيا ليتدارك ، وعند ذلك تعظم الحسرة ) حيث لا تنفع ( إلا أن أصل الإيمان وحب اللّه تعالى إذا كان قد رسخ في القلب مدة طويلة ، وتأكد ذلك بالأعمال الصالحة فإنه يمحق عن القلب هذه الحالة التي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 457 | مرتضى الزبيدي