تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
تكلموا فيما كنتم تقولون فسكتوا ، فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا حذيفة كان قد خص بعلم المنافقين وأسباب النفاق ، وكان يقول : إنه يأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة ، ويأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لا يكون للإيمان فيه مغرز إبرة ، فقد عرفت بهذا أنّ خوف العارفين من سوء الخاتمة ، وأن سببه أمور تتقدمه : منها البدع ، ومنها المعاصي ، ومنها النفاق ، ومتى يخلو العبد عن شيء من جملة ذلك ! وإن ظنّ أنه قد خلا عنه فهو النفاق ، إذ قيل : من أمن النفاق فهو منافق . وقال بعضهم لبعض العارفين : إني أخاف على نفسي النفاق ،
شرح
كنتم تقولون فسكتوا ) في القوت : أفيضوا بدل تكلموا . ( فقال : ) قد ( كنا نعد ) مثل ( هذا نفاقا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) قال العراقي : لم أجد له أصلا . ( وهذا حذيفة ) رضي اللّه عنه ( كان ) قد ( خص بعلم المنافقين ) حتى أن عمر رضي اللّه عنه كان يقول له : هل تعلم فيّ شيئا من النفاق ؟ ( وكان يقول : إنه تأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة ، وتأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لا يكون للإيمان فيه مغرز إبرة ) يعني بهذا عند قوّة صفات النفس بالهوى ، وامتلائها بالشهوة يغيب الإيمان ويحتجب احتجاب الشمس تحت السحاب فيرتفع حكمه عن إظهار أحكامه الموجبة لمقتضاه من الورع أو الزهد أو المراقبة أو المخافة ، كما يرتفع حكم شعاع الشمس إذا حجبت بكثف السحاب على الأرض ولم يقع منها ضوء ، وعلى هذا المعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يزني الزاني وهو مؤمن » الحديث . وفي الخبر الآخر : « مثل الإيمان كالقميص يلبسه أحيانا ويخلع أحيانا » وقد يكون امتلاء القلب بالنفاق بدلا عن امتلائه بالإيمان في وقت دخول الشك عليه لأنه برفع اليقين وعدم اليقين هو مكان لوجود النفاق أو في وقت إنكار القدرة من قدرة اللّه تعالى وحين تكذيبه فإنه من آياته ، فوجود ذلك نقص للإيمان وينقص الإيمان دخول النفاق فإنه بغت الموت في هذه الساعة التي يمتلئ القلب فيها نفاقا حتى لا يكون للإيمان فيه مغرز إبرة أليس يكون ذلك خاتمته بالنفاق ؟ وكذلك أن فجأه الأمر بغتة عند إحدى الخصال الخمس المذكورة في حديث عبد اللّه بن عمرو : أليس ذلك يصير في آخر عمره من سوء الخاتمة . ( فقد عرفت بهذا أن خوف العارفين من سوء الخاتمة ، وأن سببه أمور متقدمة منها البدع ومنها المعاصي ومنها النفاق ) ، وقد يتخوف الخصوص إذا جعلوا سببا لبلاء أن يلحقهم منه ذنب وإن لم يكن فيه قصد ولا عليهم منه حكم من ذلك قول مريم الصديقةيا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا[ مريم : 23 ] لما جعلت محنة للأمة ، وعلى ذلك قول عيسى عليه السلام لما سئل الشفاعة إني لست هناك إني أخاف لأني قد عبدت من دون اللّه تعالى ، ومن أعجب ما أضيف إلى العبد فعله مما لا يفعله إلا أنه أجرى عليه وجعل مكانا فيه ، ( ومتى يخلو العبد عن شيء من جملة ذلك وإن ظن أنه قد خلا عنه فهو النفاق إذ قيل : من أمن النفاق فهو منافق ) كذا في القوت .